صلّيت العصر في أحد الأيام و بعد الصلاة قرأ علينا الإمام حديث أم سليم الوارد في صحيح مسلم
كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ ، بَابُ غَزْوَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ حديث رقم 3478 عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا ، فَكَانَ مَعَهَا ، فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا هَذَا الْخِنْجَرُ ؟ قَالَتْ : اتَّخَذْتُهُ إِنْ : دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ .
لفت نظري جملة :
" أقتل من بعدنا من الطلقاء " فرجعت إلى شرح الإمام النووي لصحيح مسلم فوجدت التالي :
قَوْلُهَا : ( اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ ، وَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، سُمُّوا بِذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَطْلَقَهُمْ ، وَكَانَ فِي إِسْلَامِهِمْ ضَعْفٌ ، فَاعْتَقَدَتْ أُمُّ سَلِيمٍ أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ ، وَأَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الْقَتْلَ بِانْهِزَامِهِمْ وَغَيْرِهِ .
وَقَوْلُهَا : ( مَنْ بَعْدَنَا ) أَيْ : مَنْ سِوَانَا .
فعلق في ذهني العبارة المركبة من كلمتين " من بعدنا " فكنت كلما قرأت القرآن و مررت بمثلها توقفت عندها ، ثم إني تتبعتها في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم فوجدتها وردت على المعنى المفسّر في صحيح مسلم كما يلي :
(إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) آل عمران .
يعني فمن ينصركم سواه ؟ .
( وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (33) النور .
قال القرطبي :
قوله تعالى : ومن يكرهن أي يقهرهن . فإن الله من بعد إكراههن غفور لهن رحيم بهن . وقرأ ابن مسعود ، وجابر بن عبد الله ، وابن جبير ( لهن غفور ) بزيادة لهن .
الشاهد من الآية ( فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) أي إن الله يغفر لما سوى الإكراه و يعاقب المُكرِه على الإكراه و الله أعلم .
( مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) فاطر .
و ما يمسك فلا مرسل له سواه و الله أعلم .
( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) فاطر .
قال الطبري :
يقول تعالى ذكره: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ) لئلا تزولا من أماكنهما(وَلَئِنْ زَالَتَا) يقول: ولو زالتا(إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) يقول: ما أمسكهما أحد سواه .
قال الله تعالى مخبرا عن سليمان :
( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35) ص .
يعني : هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد سواي و الله أعلم .
( وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ ۗ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ (44) الشورى .
و من يضلل الله فماله من ولي سواه و الله أعلم .
أخيرا أدعو أهل الإختصاص إلى العناية بهذه التراكيب اللغوية و تتبعها في كلام العرب و مراعاة ذلك عند تفسير القرآن الكريم و الله الهادي إلى سواء السبيل .
أخوكم عبد الله بن سلامة