الثلاثاء، 12 مارس 2019

الراحمون يرحمهم الرحمن

إهداء للجمعيات الخيرية والمتصدقين وأهل الخبرة المبرمج باترك ماكونلوج إلتقى المشرد ليو غراند و خيّره بين أمرين : إما أن يعطيه 100 دولار أو أن يعطيه دروساً في البرمجة فاختار ليو البرمجة ⁦✔️⁩ فأعطاه باترك 3 كتب و لابتوب و شاحناً يعمل بالطاقة الشمسية وحساباً على موقع لتعلم البرمجة و ظل يتابعه ويعلّمه يومياً لمدة ساعة. بعد عام قام ليو بتصميم تطبيق (trees for cars) للهواتف الذكية وكسب أرباحاً تقدر بحوالي 15 ألف دولار 👌 الآن ليو يواجه بعض التحديات في التطبيق ولكنه أصبح يمتلك تطبيقاً وهو قادر على كسب الأموال في أي وقت كما ذكر ⁦⁩⁦❤️⁩ لا_تعطني_سمكة_بل_علمني_كيف_أصطادها

قرية نور الله بالفلبين *

في الهزيع الأخير من عام ٢٠١٤، تمت خطبة شاب لشابة من الأسر الثرية وبعد الخطبة الميمونة بعدة أشهر إلتقيت الشاب وقال لي لا أودّ الإنجراف في حفلة عرس باذخة تستهلك الجهود والأعصاب والأوقات، وبدلاً عن ذلك أودّ تخصيص المبلغ المرصود للعرس لبناء قرية متكاملة تخدم الإنسانية وتتكون من تسع وتسعين بيتا يتوسطها المسجد والمدرسة وبقية المنافع. سألته لماذا لا تكون القرية من مائة بيت مثلاً؟! فقال لي أودّ أن تكون البيوت بعدد أسماء الله الحسنى فبدلاً عن ترقيم البيوت يكون تسمياتها القوي والعزيز والرحمن، والرحيم وهكذا! قلت له وماذا بعد؟ فقال أريد أن يتوسط القرية مسجد متميز وأن ننقل القرية نقلة نوعية ونجعل الفصول الدراسية في قلب الحدث وأرغب أن تكون القرية مستدامة وأن تصرف على نفسها مستقبلاً من خلال بناء محلات تجارية يستفيد منها قاطنوها، ونرغب أن يكون إسم القرية نور الله نسبة إلى أوائل الأسماء له ولخطيبته! ( إسم خطيبته نور واسمه عبدالله) . بعد ذلك بشهر، ذهبنا سوياً لوضع حجر الأساس للقرية، ومن شدة الفرح، قال لي وهو يذكّي العجل السمين لإطعام المحتاجين هناك، يا عّم أبو مساعد؛ هذا عرسي الحقيقي وهؤلاء الفقراء الذين تحلّقوا حولنا هم ( المعازيم ) الحقيقيين! . بعد ذلك بسنة، تم إفتتاح القرية وبحضور الشاب وزوجته وبقية أفراد الأسرة في حفل مهيب ومتميز وتم توزيع المفاتيح لأصحاب البيوت وهم يرفعون أيديهم بالدعاء والبكاء من شدة الفرح. ثم صدح الآذان لأول مرة في الأرجاء من المسجد الذي يتوسط القرية فكان مشهداً مهيباً وروحانياً! وتم إفتتاح الفصول الدراسية وبقية مكونات القرية والجميع مبهور بتجربة الشاب والشابة فقد أصبحت عندهم قرية متكاملة يقطنها ستمائة وخمسون إنسانا ومدرسة يذهب اليها العشرات بل ربما المئات من الطلبة مستقبلاً ومسجد يؤمه المصلون ومحلات وقفية مدرّة. كل هذا تحقق بنفس المبلغ الذي كان يفترض أن يخصص لعرسٍ ليلة واحدة يستهلك من الجهود والأوقات ما الله به عليم ولا نسلم من المنتقدين ( والمتشرهين والزعلانين )! وللمعلومية، فإن بطلي القصة قد وضعا نصب أعينهما متابعة أمور القرية وأن تكون محطة سفر سنوية لهما حتى وإن لم تكن على الطريق فيتم موائمة خطة السفر للمرور بها! أي سؤدد هذا وأية همة هذه؟! ولقد أصبح فعلهما سنّة حسنة في العائلة يقوم بها كل من يقدم على الزواج! إنه توفيق رب العزة والجلال !

قال (مختصر المقال) : اللهم بارك لهما وبارك عليهما واخلف عليهما خيرا .

* من مقال للأستاذ القدير أحمد بن صالح الرماح باختصار وتصرف .

السبت، 9 مارس 2019

نظرية المعرفة في فكر الدكتور محمد شحرور


نشر بوساطة محمد جليد في الأحداث المغربية يوم 08 - 07 - 2011

أزمة العقل العربي المعاصر – حسب الدكتور شحرور – تكمن في عدم وجود نظرية إسلامية في المعرفة الإنسانية مصاغة صياغة حديثة معاصرة، ومستنبطة حصرا من القرآن الكريم الذي يشكل النص المحوري في تكوين بنية الثقافة العربية الإسلامية، إذ “إن غياب هذه النظرية أدى بالمسلمين إلى التفكك الفكري، والتعصب المذهبي، واللجوء إلى مواقف فكرية أو سياسية تراثية مضى عليها مئات السنين، تقوم على كيل الاتهامات بالكفر والإلحاد والزندقة لهؤلاء وهؤلاء.منذ صدور كتابه الأول” الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة” سنة 1990، ظل الدكتور محمد شحرور الظاهرة التي استرعت أنظار الكثير من الدارسين والباحثين- كل في مجال اختصاصه وحقل اشتغاله- فقد استطاع أن يقدم للعالمين العربي والإسلامي مشروعا فكريا متميزا ومتكاملا شبيها بتلك الأنساق الفلسفية و الفكرية التي شيد صرحها ثلة من عظماء الفلاسفة أمثال ديكارت، سبينوزا، كانط، هيجل، ماركس....فهو على غرار هؤلاء لم يكتف بطرح بعض الأفكار المتناثرة وصياغة عدد من المفاهيم المجتزأة التي لا يكاد يربطها نسق في ذاته كما هو الشأن عند كثير من المفكرين الحداثيين الذين اتسمت أفكارهم بالتجزيئية والتناقض في كثير من الأحيان، بل على خلاف هؤلاء يتميز فكر الدكتور شحرور بشموليته واستيعابه مختلف الجوانب والفروع المعرفية من فلسفة، منطق، سياسة، اقتصاد، تاريخ، قيم وتشريع. ولم يكن بوسع الدكتور شحرور أن يتوصل إلى هذه النتائج التي شكلت منعطفا حقيقيا في تاريخ الفكر الإسلامي والتي أصابت القارئ بالصدمة والاندهاش المعرفيين لولا المنهج العلمي الصارم الذي اتخذه أسلوبا وطريقة في التفكير والتحليل والذي يمكن تلخيص هيكله العام في النقاط الأساسية التالية:
إن اللسان العربي لا يحتوي خاصية الترادف، بل بالعكس اللفظة الواحدة يمكن أن يكون لها أكثر من معنى،
الألفاظ خدم للمعاني، وان المعاني هي المالكة سياستها المتحكمة فيها.
اللغة حاملة للفكر وتتطور معه وهناك تلازم لا ينفصم بين اللغة ووظيفة التفكير عند الإنسان
لا يفهم أي نص لغوي إلا على نحو يقتضيه العقل
حين يخاطب متكلم سامعا فهو لا يقصد إفهامه معاني الكلمات المفردة، ولكن النظم، لذا فالثقافة المعجمية غير كافية لفهم أي نص لغوي فما بالك إذا كان النص هو التنزيل الحكيم.
التنزيل الحكيم خال من الحشو واللغو والزيادة، فما اعتبره النحاة زائدا في النحو ليس زائدا في الدلالة.
التنزيل الحكيم دقيق في تراكيبه ومعانيه، فالدقة فيه لا تقل عن مثيلتها في الرياضيات والفيزياء والكيمياء.
لا يوجد تناقض بين الوحي والعقل
لا يوجد تناقض بين الوحي والحقيقة
بهذه الأدوات المنهجية المتميزة تمكن الدكتور شحرور من الغوص في أعماق آيات الذكر الحكيم موظفا آلية الترتيل التي تحمل مفهوما خاصا في منظومته الفكرية، ليكتشف أن أزمة العقل العربي المعاصر تكمن في عدم وجود نظرية إسلامية في المعرفة الإنسانية مصاغة صياغة حديثة معاصرة، ومستنبطة حصرا من القرآن الكريم الذي يشكل النص المحوري في تكوين بنية الثقافة العربية الإسلامية، إذ “إن غياب هذه النظرية أدى بالمسلمين إلى التفكك الفكري، والتعصب المذهبي، واللجوء إلى مواقف فكرية أو سياسية تراثية مضى عليها مئات السنين، تقوم على كيل الاتهامات بالكفر والإلحاد والزندقة لهؤلاء وهؤلاء، كل هذا بهدف الخروج من مأزق فكري يقع فيه المسلم في مواجهة الفكر المعاصر...فغياب المنهج المعرفي الذي يمكن أن يواجه كل غث ويحتوي على كل ثمين، هو الذي يؤدي بالضرورة إلى مواقف التشنج والسذاجة وضيق الأفق”.)الكتاب والقرآن:قراءة معاصرة ص:31(
انطلق الدكتور محمد شحرور في مشروعه الفكري من نقطة بالغة الأهمية أعتبرها فيصل التفرقةDémarcation بين فلسفته والمنظومات الفكرية الأخرى وهي التمييز بين ثلاثة أنواع من الآيات في كتاب الله تعالى:
الآيات المتشابهات: وهي التي تمثل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أطلق عليها الكتاب مصطلح “القرآن والسبع المثاني” وهي تحتوي على القوانين المادية الموضوعية الناظمة للوجود بفرعيه الكوني والإنساني، وقد جاءت لتفرق بين الحق والباطل في الوجود الموضوعي. هذه الآيات كانت مخزنة في اللوح المحفوظ قبل نزولها وفيها تلازم الإنزال والجعل، وهي قابلة للتأويل وتخضع للمعرفة النسبية وتغطي الجانب الموضوعي في كتاب الله تعالى.
الآيات المحكمات: وهي التي تمثل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أطلق الكتاب عليها مصطلح “أم الكتاب” وتتضمن مجموع الأحكام من أوامر ونواهي “التشريع”، وهي قابلة للاجتهاد حسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية ما عدا العبادات و الأخلاق والحدود. وقد نزلت من عند الله مباشرة للتفريق بين الحلال والحرام في السلوك الإنساني وفيها تلازم الإنزال والتنزيل بدون جعل، وهي تمثل الجانب الذاتي في كتاب الله عز وجل.
آيات لامحكمات ولا متشابهات: وقد أطلق عليها الكتاب مصطلح “تفصيل الكتاب”، وهي الآيات الشارحة لمحتوى الكتاب.
وقد انتهى الدكتور شحرور إلى هذا التصنيف من خلال تدبره للآية 7 من سورة آل عمران ” هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب” والآية 37 من سورة يونس “وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه “أي أم الكتاب” وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين”.
إن الخلط بين هذه المصطلحات والزعم بأنها من المترادفات هو الذي أدى بكثير من الفقهاء والمفسرين إلى عدم التمييز بين الذاتي والموضوعي في آيات التنزيل الحكيم ومن ثم الخوض في كتاب الله تعالى دون منهج معرفي واضح قائم على الفصل الدائم بين الحقيقة والوهم، الشيء الذي أدى إلى خلافات مذهبية وصراعات عقائدية أخطرها قضية خلق القرآن بين المعتزلة والمحدثين.
لعل أكبر معضلة فلسفية شغلت عقول الفلاسفة والمفكرين منذ عهد الإغريق هي إشكالية تحديد العلاقة بين الوجود في الأعيان وصور الموجودات في الأذهان، وعلى هذا الأساس نشأت نظرية المعرفة Gnoséologie للبحث عن مدى قيام معرفة ما عن الوجود بمختلف مظاهره ، وإذا كانت المعرفة ممكنة فما أدواتها، وما حدودها، وما قيمتها؟
في محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات، تفرعت المذاهب الفلسفية المعروفة ، وبغض النظر عن مذهب الشك الذي لا يمكن الدفاع عنه رغم حجج الشكاك القدامى والمحدثين، فان المذاهب الرئيسية في إشكالية المعرفة هي التالية: المذهب العقلي الذي يرى أن العقل بما ركب فيه من استعدادات أولية ومبادئ قبلية هو وسيلتنا الوحيدة للمعرفة اليقينية. المذهب الحسي أو التجريبي الذي يرجع المعرفة كلها إلى ما تمدنا به الحواس، باعتبار أن العقل صفحة بيضاء ليس فيه إلا ما تنقله إليه حواسنا. والمذهب الحدسي الذي يذهب إلى أن الطريق الصحيح للمعرفة الجديرة بهذا الاسم هو الحدس “مع الاختلاف حول مفهوم الحدس ذاته”.
بما أن القرآن الكريم وهو الجزء المتشابه في كتاب الله تعالى ، قد جاء ليفرق بين الحق والباطل في الوجود المادي الموضوعي، أي بين الحقيقة والوهم بتعبير الفلاسفة فقد كان لزاما على الدكتور شحرور عند تأصيله لنظرية المعرفة الإنسانية أن يقتصر على دراسة هذا الجانب من المصحف، مفترضا استحالة وجود معالم لهذه النظرية في الجزء المحكم “أم الكتاب” الذي يغطي المساحة الذاتية في آيات التنزيل الحكيم. وانطلاقا من هذا الأساس توصل إلى أن نظرية المعرفة الإنسانية في القرآن تقوم على المبدأ التالي: إن الحق والباطل “الحقيقة والوهم” في الفكر الإنساني ملتبسان في علاقة جدلية لا تتوقف بحيث يفرز الحق عن الباطل لفترة معينة، ثم يعود هذا الالتباس من جديد بأشكال جديدة، فيحتاج إلى فك جديد، وهكذا دواليك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. لقد مثل الله التباس الحق والباطل بالماء الذي يشوبه التلوث فهو بحاجة إلى فرز وتنقية ليعود صافيا، وبالحديد الذي يوجد في الطبيعة على شكل فلزات فتقوم الأفران العالية الحرارة بفرز الحديد عن الخبث ” أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال” ” الرعد:17′′
فنظرية المعرفة الإنسانية في القرآن الكريم هي فك الالتباس بين الحقيقة الموضوعية والوهم المرتبطين ببعضهما بعلاقة تناقضية جدلية، وذلك بادراك العالم الموضوعي الرحماني “الحقيقة” على ما هو عليه، حيث أن وجود الأشياء خارج الوعي الإنساني هو عين حقيقتها بخلاف ما يزعمه الفلاسفة المثاليون من أن المعرفة الإنسانية ما هي إلا استعادة أفكار موجودة مسبقا. وقد أكد القرآن هذه الحقيقة بقوله:” والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون” ” النحل:78′′. فالمعرفة الإنسانية بدأت بالتفكير المشخص الجزئي المحدد بحاستي السمع والبصر- وهي التي يطلق عليها الدكتور المعرفة الفؤادية- وارتقت ببلوغها التفكير المجرد العام. لذا كان عالم الشهادة يعني في البداية العالم المادي الذي تعرف عليه الإنسان بحواسه، ثم توسع ليشمل ما أدركه بعقله لا بحواسه. وعليه فان عالم الشهادة وعالم الغيب ماديان، وتاريخ تقدم المعارف الإنسانية هو توسع مستمر في عالم الشهادة، وتقلص مستمر في عالم الغيب، باعتبار هذا الأخير عالما ماديا ولكنه غاب عن إدراكنا لأن درجة تقدم العلوم لم تبلغ مرحلة تمكن من معرفته واستيعابه. )الكتاب والقرآن ص:251-252(
اعتبر الدكتور شحرور أن أساس المعرفة الإنسانية هو التقليم Identification وذلك في قوله تعالى : ” الذي علم بالقلم” وهو تمييز الأشياء بعضها عن بعض، وقد خلق الله تعالى للتقليم أنواعا كثيرة وإمكانيات مختلفة حسب الظروف التي يعيشها كل كائن حي، فإذا أخذنا الحواس مثلا نرى أن العين تقلم الألوان والأبعاد والأشكال التي تدخل ضمن إمكانياتها البصرية، والأذن تقلم الأصوات التي تدخل في إمكانياتها السمعية، واللسان يقلم الأذواق حسب إمكانياته، والأنف يقلم الروائح. وعندما تنتقل صور الأشياء إلى الدهن بواسطة الحواس يعمل الفكر أيضا على التقليم حيث يحلل “يقلم” ظاهرة ما إلى عناصرها الأساسية ثم بعد ذلك يركب “يعقل” ويصدر حكما. وبزيادة التقليم ظهر التصنيف للأشياء وهدا ما يسمى بالتسطير لذا قال تعالى:”ن، والقلم وما يسطرون” ٬ ” وكل صغير وكبير مستطر” أي أن كل الأشياء صغيرها وكبيرها تدخل ضمن التصنيف Classification.
لقد وقفت نظرية المعرفة الانعكاسية ” التي تقول إن المعرفة الإنسانية تنطلق من الواقع المادي القائم على الصراع الداخلي للمتناقضات” عاجزة عن تفسير عنصري التناقض في الدماغ الإنساني وكيف تمت إزالة هذا التناقض، لدا طرحت المقولة التالية: إن الدماغ الإنساني تطور معقد جدا للمادة، ولكنها لم تستطع تفسير كيف انتقل الإنسان إلى مرحلة التجريد والتخيل والابتكار. أما النظرية القرآنية التي تلتقي من حيث المبدأ فقط مع النظرية الانعكاسية المادية-أي أن المعرفة الإنسانية بدأت عن طريق الإدراك الفؤادي أي الإدراك المشخص بالحواس وعلى رأسها حاستا السمع والبصر- فإنها تقدم التفسير العلمي القادر على الإجابة عن تلك الأسئلة عن طريق طرح مقولة نفخة الروح من الله تعالى “ونفخت فيه من روحي” من خارج الكون المادي الثنائي، حيث تبين أن النقيضين غير الماديين اللذين يعملان في الدماغ “الرحمان والشيطان” “الحقيقة والوهم” مربوطان بقانون عدم التناقض. وعندما يفك هذا الربط يتحول الإنسان إلى شخصيتين متناقضتين تماما. فدائما هناك موقف رحماني “صادق حقيقي” في 
أمر ما، وموقف آخر شيطاني”كاذب وهمي” في الأمر نفسه. هذه العلاقة الجدلية بين المتناقضات “الرحمان والشيطان” جاءت في قوله تعالى “يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا” “مريم:44′′
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق ” هل الوهم من نتاج المادة التي لها وجود حقيقي”؟ يعتقد الدكتور شحرور بأنه لا يوجد خارج الفكر الإنساني شيء اسمه وهم، فالأوهام فقط في الفكر، وهكذا فهم قوله تعالى ” فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم”"النحل:98′′. فالقراءة في هذه الآية ليست مرادف التلاوة- إذ لا يوجد ترادف في اللسان العربي وهو ما أشرنا إليه عند تقديم المنهج المعرفي الذي اتبعه الدكتور شحرور- إنما تعني الفهم والمقارنة والاستقراء. فالشيطان يحول فهم وتدبر آيات القرآن من فهم مادي رحماني إلى فهم مثالي شيطاني، وفي هذا المجال نجح الشيطان نجاحا باهرا مع المسلمين وغيرهم. وهكذا لا يوجد إنسان إلا وله شيطانه الخاص”القرين” لأن أي موقف مثالي أو خطأ كيفما كان نوعه فهو موقف شيطاني.
إن هذا الفهم المادي لنظرية المعرفة القرآنية يرد على أوهام ذوي الفهم الطوباوي للقرآن الذين يرفضون نظرية النشوء والارتقاء جملة وتفصيلا بدعوى أنها غير علمية، وحجتهم في ذلك قائمة على التساؤل التالي: لماذا تطور الإنسان من القرد، وبقي القرد قردا؟ والجواب هو أن الله تعالى نفخ الروح في البشر وهو فصيلة من المملكة الحيوانية، فأدى ذلك إلى أنسنته وارتقائه. ولو أنه نفخ الروح في فصائل أخرى لارتقت أيضا. وبذلك تكون الروح هي سر الأنسنة وليست سر الحياة وهي الحلقة المفقودة في نظرية داروين.)الكتاب والقرآن ص:253(
وبهذا توصل الدكتور شحرور من خلال ترتيله لجميع الآيات التي تتعلق بخلق الكون ونشأة وتطور الانسان إلى أن أساس المعرفة الإنسانية في القرآن الكريم هو الفصل الدائم بين الحق والباطل “الحقيقة والوهم” المرتبطين ببعضهما بعلاقة تناقضات جدلية، ومهمة المعرفة هي تفريق الحقيقي عن الوهمي، لدا قال لبني إسرائيل: ” ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون” “البقرة:42′′ أي بعد تفريق الحق عن الباطل ينبغي أن لا نلبسهما معا مرة أخرى، لذا قال في نهاية الآية “وأنتم تعلمون”
على مستوى الممارسة يعتقد الدكتور شحرور أن مهمة جميع الأنبياء والمصلحين على امتداد التاريخ الانساني الواعي كانت هي التجسيد الفعلي لمستلزمات هده النظرية، التي استنبط أسسها حصرا من القرآن الكريم، كل حسب النظام المعرفي والأدوات المعرفية السائدين في عصره ومستوى الإدراك الفكري والثقافي عند قومه، وكذلك كان الدور المنوط بالنبي صلى الله عليه وسلم في القرن السابع في شبه جزيرة العرب هو فك الالتباس بين أوهام الجاهلية الوثنية والحقيقة الموضوعية كما هي في الواقع، غير أن هذا الالتباس يعاود الظهور في كل زمان ومكان بأشكال جديدة وتجليات مختلفة، لذا ينبغي على المسلمين العمل على فك هذا الالتباس المعرفي من جديد في القرن 21 وذلك بنشر الفكر العقلاني الحر في مواجهة الأسطورة والخرافة والأوهام التي قد تجد لها سبيلا الى عقول الناس في غياب المنهج المعرفي القائم على الدقة والعلمية.
بقلم: عبدالحق بوزيان

الأحد، 3 مارس 2019

كلمة شيخ الأزهر في اللقاء العالمي للأخوّة الإنسانية

المصدر:
وام
التاريخ: 04 فبراير 2019
أعرب فضيلة الإمام الأكــــبر الدكتور أحـمــد الطــيب شــيخ الأزهــــر رئيس مجلس حكماء المسلمين عن شكره الجزيل لدولة الإمارات قيادة وشعبا لاستضافة اللقاء العالمي للأخــــوة الإنســــانية الحدث التاريخي الذي جمع قادة الأديان وعلماءها ورجال الكنائس والسياسة والفكر والأدب والإعلام اليوم في " أبوظبي" ليشهدوا مع العالم كله إطلاق " وثيقة الأخوة الإنسانية ".

جاء ذلك في كلمة فضيلته خلال اللقاء العالمي للأخــــوة الإنســــانية الذي عقد في صرح زايد المؤسس اليوم فيما يلي نصها :

" بسم الله الرحمن الرحيم.. أخي وصديقي العزيز / قداسـة البابا فرنسـيـس - بابا الكنيسة الكاثوليكية.

الأخ العزيز صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله" والأخ العزيز صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة .
الحفل الكريم ..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد

فأبدأ كلمتي بتوجيه الشكر الجزيل لدولة الإمارات العربية المتحدة: قيادة وشعبا، لاستضافة هذا الحدث التاريخي، الذي يجمع قادة الأديان، وعلماءها ورجال الكنائس، ورجال السياسة والفكر والأدب والإعلام.. هذه الكوكبة العالمية التي تجتمع اليوم على أرض "أبوظبي" الطيبة، ليشهدوا مع العالم كله إطلاق "وثيقة الأخوة الإنسانية"، وما تتضمنه من دعوة لنشر ثقافة السلام واحترام الغير وتحقيق الرفاهية للبشرية جمعاء، بديلا من ثقافة الكراهية والظلم والعنف والدماء، ولتطالب قادة العالم وصناع السياسات، ومن بأيديهم مصائر الشعوب وموازين القوى العسكرية والاقتصادية - تطالبهم بالتدخل الفوري لوقف نزيف الدماء، وإزهاق الأرواح البريئة، ووضع نهاية فورية لما تشهده من صراعات وفتن وحروب عبثية أوشكت أن تعود بنا إلى تراجع حضاري بائس ينذر باندلاع حرب عالمية ثالثة.

الحفــل الكــريم!
إنني أنتمي إلى جيل يمكن أن يسمى بجيل الحروب، بكل ما تحمله هذه الكلمة من خوف ورعب ومعاناة، فلازلت أذكر حديث الناس -عقب الحرب العالمية الثانية- عن أهوال الحرب وما خلفته من دمار وخراب، وما كدت أبلغ العاشرة من عمري حتى دهمتنا حرب العدوان الثلاثي في أكتوبر 1956م، ورأيت بعيني قصف الطائرات لمطار مدينتي مدينة الأقصر، وكيف عشنا ليالي في ظلام دامس لا يغمض لنا فيها جفن حتى الصباح، وكيف كنا نهرع إلى المغارات لنحتمي بها في جنح الظلام، ولاتزال الذاكرة تختزن من هذه الذكريات الأليمة ما يعيدها جذعا كأن لم يمر عليها أكثر من ستين عاما.. ولم يمض على هذه الحرب سنوات عشر حتى اندلعت حرب 1967م، وكانت أشد وأقسى من سابقتها، عشناها بكل مآسيها، وعشنا بعدها ست سنوات فيما يسمى باقتصاد الحروب، ولم نتنفس الصعداء إلا مع انتصار 73 في حرب التحرير التي أعادت للعرب جميعا كرامتهم، وبعثت فيهم مكامن العزة والإباء، والقدرة على دحر الظلم وأهله، وكسر شوكة العدوان والمعتدين.. وظننا وقتها أننا ودعنا عهد الحروب، وبدأنا عصر السلام والأمان والإنتاج.

لكن الأمر سرعان ما تبدل بعد ذلك حين واجهتنا موجة جديدة من حرب خبيثة تسمى "الإرهاب" بدأت في التسعينات، ثم استفحل أمرها بعد ذلك حتى أصبحت اليوم تقض مضاجع العالم شرقا وغربا.

وكان الأمل أن تطل علينا الألفية الثالثة، وقد انحسرت موجات العنف والإرهاب وقتل الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، ولكن خاب الأمل مرة ثالثة حين دهمتنا حادثة تفجير برجي التجارة في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر من مطلع القرن الحادي والعشرين، والتي دفع الإسلام والمسلمون ثمنها غاليا، وأخذ فيها مليار ونصف المليار مسلم بجريرة أفراد لا يزيد عددهم على عدد أصابع اليدين، فقد استغلت هذه الحادثة استغلالا سلبيا في إغراء "الإعلام" الدولي بإظهار الإسلام في صورة الدين المتعطش لسـفك الدماء، وتصوير المسلمين في صورة برابرة متوحشين اصبحوا خطرا داهما على الحضارات والمجتمعات المتحضرة، وقد نجح هذا الإعلام في بعث مشاعر الكراهية والخوف في نفوس الغربيين من الإسلام والمسلمين، وسيطرت عليهم حالة من الرعب ليس من الإرهابيين فقط، بل من كل ما هو إسلامي جملة وتفصيلا..

الســيدات والســادة!
إن "وثيقة الأخوة" التي نحتفل بإطلاقها اليوم من هذه الأرض الطيبة ولدت على مائدة كريمة كنت فيها ضيفا على أخي وصديقي العزيز فرنسيس بمنزله العامر، حين ألقى بها أحد الشباب الحاضرين على هذه المائدة المباركة، ولقيت ترحيبا واستحسانا كريما من قداسته، ودعما وتأييدا مني، وذلك بعد حوارات عدة تأملنا فيها أوضاع العالم وأحواله، ومآسي القتلى والفقراء والبؤساء والأرامل واليتامى والمظلومين والخائفين، والفارين من ديارهم وأوطانهم وأهليهم، وما الذي يمكن أن تقدمه الأديان الإلهية كطوق نجاة لهؤلاء التعساء، وما ادهشني هو أن هموم قداسته وهمومي كانت متطابقة أشد التطابق وأتمه وأكمله، وأن كل منا استشعر حرمة المسؤولية التي سيحاسبنا الله عليها في الدار الآخرة، وكان صديقي العزيز رحيما يتألم لمآسي الناس كل الناس. بلا تفرقة ولا تمييز ولا تحـفظ.>

وكان أبرز ما تسالمنا عليه هو: أن الأديان الإلهية، بريئة كل البراءة من الحركات والجماعات المسلحة التي تسمى حديثا بـ "الإرهاب"، كائنا ما كان دينها أو عقيدتها أو فكرها، أو ضحاياها، أو الأرض التي تمارس عليها جرائمها المنكرة.. فهؤلاء قتلة وسفاكون للدماء، ومعتدون على الله ورسالاته .. وأن على المسؤولين شرقا وغربا أن يقوموا بواجبهم في تعقب هؤلاء المعتدين والتصدي لهم بكل قوة، لحماية أرواح الناس وعقائدهم ودور عباداتهم من جرائمهم.

كما تسالمنا على أن الأديان قد أجمعت على تحريم الدماء، وأن الله حرم قتل النفس في جميع رسالاته الإلهية: صرخ بذلك موسى عليه السلام في الوصايا العشر على جبل حوريب بسيناء وقال: "لا تقتل! لا تزن! لا تسرق!" ( )، ثم صدع به عيسى عليه السلام من فوق جبل من جبال الجليل، بالقرب من كفر ناحوم بفلسطين، "في كنزه الأخلاقي النفيس" المسمى بموعظة الجبل، وقد أكد السيد المسيح ما جاء به موسى، وزاد عليه في قوله: "سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تقتل، فإن من يقتل يستوجب حكم القضاء، أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم القضاء (...) ومن قال له: يا جاهل استوجب نار جهنم"( )، وجاء محمد ؟ وأعلن للناس من فوق جبل عرفات في آخر خطبة له تسمى خطبة الوداع، أعلن ما أعلنه أخواه من قبله، وزاد أيضا وقال: "أيها الناس، إني والله ما أدري لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا، بمكاني هذا، فرحم الله امرءا سمع مقالتي اليوم فوعاها (...) أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم (...) ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" .. وكان يقول من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة.. ومن أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه.

هذا إلى عشرات الآيات القرآنية التي تحرم قتل النفس، وتعلن أن من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا. .

وتلاحظون حضراتكم وحدة الخطاب الإلهي ووحدة معناه، بل وحدة المنصات التي خطب عليها هؤلاء الأنبياء الكرام، وهي: جبل الطور بسيناء في مصر، وجبل من جبال فلسطين، وجبل عرفات بمكة في جزيرة العرب.

ومن هذا يتضح جليا أنه ليس صحيحا ما يقال من أن الأديان هي بريد الحروب وسببها الرئيسي، وأن التاريخ شاهد على ذلك، مما برر ثورة الحضارة المعاصرة على الدين وأخلاقه، وإبعاده عن التدخل في شؤون المجتمعات، بعدما سرت هذه الفرية - سريان النار في الهشيم- في وعي الناس والشباب، وبخاصة في الغرب، وكانت من وراء انتشار دعوات الإلحاد والفلسفات المادية ومذاهب الفوضى والعدمية والحرية بلا سقف، وإحلال العلم التجريبي محل "الدين"، ورغم ذلك، وبعد مرور أكثر من ثلاثة قرون على الثورة على الله وعلى الأديان الإلهية جاءت المحصلة كارثية بكل المقاييس، تمثلت في مأساوية الإنسان المعاصر التي لا ينكرها إلا مكابر.

والحق الذي يجب أن ندفع به هذه الفرية هو أن أول أسباب أزمة العالم المعاصر اليوم إنما يعود إلى غياب الضمير الإنساني وغياب الأخلاق الدينية، وتحكم النزعات والشهوات المادية والإلحادية والفلسفات العقيمة البائسة التي ألهت الإنسان، وسخرت من الله، ومن المؤمنين به.. واستهزأت بالقيم العليا المتسامية التي هي الضابط الأوحد لكبح جماح الإنسان وترويض "الذئب" المستكن بين جوانحه.

أما الحروب التي انطلقت باسم "الأديان"، وقتلت الناس تحت لافتاتها فإن الأديان لا تسأل عنها، وإنما يسأل عنها هذا النوع من السياسات الطائشة التي دأبت على استغلال بعض رجال الأديان وتوريطهم في أغراض لا يعرفها الدين ولا يحترمها، ونحن نقر بأن هناك من رجال الأديان من تأول نصوصها المقدسة تأويلا فاسدا، لكنا لا نقر أبدا بأن قراءة الدين قراءة أمينة نظيفة لا تسمح أبدا لهؤلاء الضالين المضلين بالانتساب الصحيح إلى أي دين إلهي، ولا تبرر لهم خيانة أمانتهم في تبليغه للناس كما أنزله الله.

على أن هـذا الانحراف الموظف في فهم النصوص الدينية ليس قاصرا على نصوص الأديان واستغلالها في العدوان على الناس، بل كثيرا ما يحـدث مثله في أسواق السياسة، حين تقرأ نصوص المواثيق الدولية المتكفلة بحفظ السلام العالمي تقرأ قراءة خاصة تبرر شن الحروب على دول آمنة، وتدميرها على رؤوس شعوبها، ولا مانع بعد أن تقضي هذه السياسات شهواتها العدوانية البشعة.. لا مانع من الاعتذار للثكالى واليتامى والأرامل بأنها أخطأت الحساب والتقدير. والأمثلة على ذلك واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.

من أجـل ذلك نادينـا في هـذه الوثيقـة "بوقـف اسـتخدام الأديان، والمذاهب، في تأجيج الكراهية والعنف والتعصب الأعمى، والكف عن استخدام اسم الله لتبرير أعمال القتل والتشريد والإرهاب والبطش، وذكرنا العالم كله بأن الله لم يخلق الناس ليقتلوا أو يعذبوا أو يضيق عليهم في حياتهم ومعاشهم... والله -عز وجل- في غنى عمن يدعو إليه بإزهاق الأرواح أو يرهب الآخرين باسمه".

الحفــل الكــريم!
إنني على يقين أن هذه المبادرات الضرورية والتحركات الطيبة نحو تحقيق الإخوة الإنسانية في منطقتنا العربية سوف تؤدي ثمارها، وقد بدأت، بحمد الله، بقوة في مصر المحروسة حيث افتتح قبل عدة أيام أول وأكبر مسجد وكنيسة متجاورين، في العاصمة الإدارية الجديدة، وفي خطوة تاريخية، نحو تعزيز التسامح وترسيخ الإخوة بين الأديان، وبمبادة رائدة من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية.

وتبقى لي كلمة أوجهها لإخوتي المسلمين في الشرق، وهي أن تستمروا في احتضان إخوانكم من المواطنين المسيحيين في كل مكان؛ فهم شركاؤنا في الوطن، وإخوتنا الذين يذكرنا قرآننا الكريم بأنهم أقرب الناس مـودة إلينا، ويعلل القرآن هذه المودة بقوله تعالى: ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) [المائدة: 82]، فالمسيحيون -كل المسيحيين- قلوبهم مملوءة خيرا ورأفة ورحمة، والله تعالى هو الذي جعل في قلوبهم هذه الخصال الحميدة.. وهذا ما يسجله القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة الحديد: (وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) [الحديد: 27].

ويجب علينا نحن المسلمين ألا ننسى أن المسيحية احتضنت الإسلام، حين كان دينا وليدا، وحمته من طغيان الوثنية والشرك، التي كانت تتطلع إلى اغتياله في مهده، وذلك حين أمر النبي المستضعفين من أصحابه، وهم أكثر تابعيه حين اشتد عليهم أذى قريش وقال لهم: "اذهبوا إلى الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم أحد في جواره" وقد استقبلهم هذا الملك المسيحي في دولته المسيحية، وأكرمهم وحماهم من قريش، ثم أعادهم إلى المدينة المنورة بعد أن اشتد عود الإسلام واستوى على سوقه.

وكلمة أخرى لإخوتي المسيحيين في الشرق: أنتم جزء من هذه الأمة، وأنتم مواطنون. ولستم أقلية، وأرجوكم أن تتخلصوا من ثقافة مصطلح الأقلية الكريه، فأنتم مواطنون كاملو الحقوق والواجبات، واعلموا أن وحدتنا هي الصخرة الوحيدة التي تتحطم عليها المؤامرات التي لا تفرق بين مسيحي ومسلم إذ جد الجد وحان قطف الثمار.

وكلمتي للمواطنين المسلمين في الغرب أن اندمجوا في مجتمعاتكم اندماجا إيجابيا، تحافظون فيه على هويتكم الدينية كما تحافظون على احترام قوانين هذه المجتمعات، واعلموا أن أمن هذه المجتمعات مسؤولية شرعية، وأمانة دينية في رقابكم تسألون عنها أمام الله تعالى، وإن صدر من القوانين ما يفرض عليكم مخالفة شريعتكم فالجأوا إلى الطرق القانونية، فإنها كفيلة برد الحقوق إليكم وحماية حريتكم.

كما أقول لشباب العالم في الغرب والشرق: إن المستقبل يبتسم لكم، وعليكم أن تتسلحوا بالأخلاق وبالعلم والمعرفة، وعليكم أن تجعلوا من هذه الوثيقة دستور مبادئ لحياتكم، اجعلوا منها ضمانا لمستقبل خال من الصراع والآلام، اجعلوا منها ميثاقا بانيا للخير هادما للشر، اجعلوا منها نهاية للكراهية.. علموا أبناءكم هذه الوثيقة فهي امتداد لوثيقة المدينة المنورة، ولموعظة الجبل، وهي حارسة للمشتركات الإنسانية والمبادئ الأخلاقية.. وسوف أعمل مع أخي قداسة البابا، فيما تبقى لنا من العمر، ومع كل الرموز الدينية من أجل حماية المجتمعات واستقرارها، وهنا يجب أن أشيد بملتقى تحالف الأديان لأمن المجتمعات الذي انعقد هنا في أبوظبي نوفمبر الماضي وحظي بدعم من الأزهر الشريف ومن الفاتيكان، وحضره عدد من قادة الأديان للقيام بمسؤوليتهم من أجل حماية كرامة الطفل.

وختاما: أتوجه بالشكر الجزيل للأخ الكريم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة على رعايته لهذه المبادرة التاريخية، واحتضانه "وثيقة الأخوة الإنسانية" التي نرجو أن يكون لها ما بعدها من إقرار السلام بين الشعوب، وإيقاظ مشاعر المحبة والاحترام المتبادل بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب.

كما أقدم الشكر لسمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي ولكل الشباب المتميز الذي سهر على ترتيب هذا اللقاء وتنظيمه وإخراجه بهذه الصورة المشرفة.

وانطلاقا من قوله تعالى: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، أسجل شكري لجندين مجهولين كانا وراء إعداد "وثيقة الأخوة الإنسانية" من بدايتها حتى ظهورها اليـوم في هـذا الحـدث العالمي، وهما: ابنـاي العزيزان القاضي/ محمد عبد السلام - المستشار السابق لشيخ الأزهر، والأب يوأنس لحظي جيد - السـكرتير الشخصي لقداسة البابا فرنسيس، فلهما ولكل من أسـهم في إنجـاح هذا اللقاء خالص الشـكر والتقــدير والاحــترام.

أشكركم على حسن استماعكم.
وسلام الله علـــيكم ورحمـته وبركاته.
الإمام الأكبر الدكتور أحـمـد الطــيب شـــيخ الأزهـــر الشريف "