السبت، 15 أغسطس 2020

تفسير آيات من سورة النجم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ.
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ،
الخطاب موجه لقريش، والمقصود بصاحبكم، هو رسول الله عليه الصلاة والسلام،

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ. 
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ.
 
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ،
وهو جبريل عليه السلام

ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ،
قال ابن عباس: ذو منظر حسن.
واستوى أي استقام على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها،

وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ،
أي الجِهَةِ العُلْيا مِنَ السَّماءِ المُقابَلَةِ لِلنّاظِر،
كما في سورة التكوير: ولقد رآه بالأفق المبين.

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ،
أيْ ثُمَّ قَرُبَ جِبْرِيلَ مِنَ النَّبِيِّ عليهما الصلاة والسلام، فكان بين السماء والأرض،

فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ،
أي فكانت مسافة قربه من النبي بمقدار قوسين أو أقرب، قال النسفي في تفسيره:
أيْ: عَلى تَقْدِيرِكُمْ، كَقَوْلِهِ: أوْ يَزِيدُونَ، الصافات: ١٤٧، وهَذا لِأنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ، ومِقْدارِ فَهْمِهِمْ، وهم يَقُولُونَ: "هَذا قَدْرُ رُمْحَيْنِ، أوْ أنْقَصُ".انتهى،
فالقرآن هنا استخدم قولاً شائعا عند القوم، يستخدم عند تقدير المسافة، والقرآن يستخدم ما يعرفه المخاطب، ويشيع استخدامه عنده.

فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ،
فأوحى الله إلى عبده محمد بواسطة جبريل عليهما الصلاة والسلام، وإبْهامُ المُوحى بِهِ لِلتَّفْخِيمِ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سورة طه: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾

مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ،
يَعْنِي أنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، وعَرَفَهُ بِقَلْبِهِ، ولَمْ يَشُكَّ في أنَّ ما رَآهُ حَقٌّ،

أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ،
تمارونه، يعني تجادلونه،

وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى،
رأى جبريل عليه السلام مرةً أخرى،

عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ،
اَلسدرة هي شَجَرَةُ النَبْقٍ و"اَلْمُنْتَهى"، بِمَعْنى: "مَوْضِعُ الِانْتِهاءِ"، أوْ "اَلِانْتِهاءُ"، كَأنَّها في مُنْتَهى طريق، وآخِرِها، بحيث لَا يُجاوِزْها أحَدٌ، أو في بقعةٍ من أرض مكة يعرفها القرشيون،
وهذا شبيه بما حدث لموسى عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)القصص

عِندَهَا جَنَّه الْمَأْوَىٰ، «جَنَّهُ» بَهاءِ الضَّمِيرِ العائد على النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ،
وقَرَأ بهذه القراءة عَلِيٌّ وأبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ وعبدالله بْنُ الزُّبَيْرِ وأنَسُ وزِرٌّ بن حبيش ومُحَمَّدُ بْنُ كَعَّبٍ وقَتادَةُ وأبو سَبْرة الجهني ومجاهد وسعيد بن المسيب والشعبي وأبو المتوكل وأبو الجوزاء وأبو العالية،
بمعنى: جَنَّ عليه الليل عند تلك السدرة، والله أعلم،
قال أبو حيان في البحر المحيط:
وقِيلَ: المَعْنى ضَمَّهُ المَبِيتُ واللَّيْلُ، وقِيلَ: جَنَّهُ بِظِلالِهِ ودَخَلَ فِيهِ.

إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ،
الإبهام فيه تَعْظِيمٌ وتَكْثِيرٌ لِما غشي الشجرة في ذلك الوقت من نور المَلَك وأشْياءُ لا يَعْلَمُ وصْفَها إلّا اللَّهُ تَعالى.

مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ،
قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه.

لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ،
كَما في قَوْلِهِ تعالى لموسى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾

قال كعب الأحبار عن سدرة المنتهى -وهو من يهود اليمن أسلم بعد وفاة الني عليه الصلاة والسلام، وهو ممن أدخل في تفسير القرآن كثيراً من الأساطير والخرافات، فلا تغتر بقوله أنّى وجدته -:
هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله.
وقال: هي سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق،

والله تعالى أعلم.