الأربعاء، 16 مارس 2016

حقيقة الشهب التي تظهر في السماء

الفكرة العلميّة التقليديّة العامّة السائدة عن الشهاب (meteor )
هي : أنه خطٌّ من ضوءٍ منبعثٍ انبعاثاً خاطفاً في صفحة السماء، في طبقة الأيونوسفير تحديداً، وأنه ناتجٌ من احتراقِ جسمٍ وافدٍ من فضاءِ الكونِ قد اصطدمَ بشدّةٍ محتكّاً بأعالي الغلاف الجويِّ داخلاً في نطاق تأثير الجاذبيّة الأرضيّة، فتوهج متحولاً بالطاقة الحركيّة إلى شعلةٍ هاوية منقضّة ، و هذا الجسم الوافد إما أن يحترق و يصبح رمادا و إما أن يخرج من الغلاف الجوي و يسمى الكرات النارية العابرة و إما أن يستطيع الوصول إلى اﻷرض محتفظا بجزء من كتلته و يسمى النيزك .
هذه النظرة تعني أن الشهبَ من قبْلِ التوهج هي أصلاً أجسامٌ وافدة من مصدرٍ كونيٍّ  خارج المجالات الجويّة والمغناطيسيّة التابعة لكوكب الأرض .
و قد دخل على هذه الفكرة في أواخر القرن العشرين تغييراتٌ وتعديلات جعلت ظاهرةَ الشهب ذاتَ جوانبَ جيوفيزيائيّةٍ، أي أنَّ ضياءها المشهودَ مرتبط بتفريغات كهربائيّة ( electrical discharges )
تجري في الأيونوسفير، على حساب الطاقة الكامنة فيه، وأن هناك أيضاً شهباً جيوفيزيائيّة (ً geophysical meteors )
لا تنتج عن انقضاض أجسامٍ في الأيونوسفير ( ionosphere ) ،
وإنما هي خطوط ضياءٍ ناتجٍ من تفريغات كهربائيّة في الأيونوسفير نفسه .

و اﻷجسام المذكورة قريبة الشبه بأحجار الأرضِ، فمنها ما يأخذ شكل احجار محترقة او بركانية، و منها على شكل قطع معدنية كثيفة أو صخرية، و منها  الخشن و منها الناعم ِ.
و يقدر العلماء بأن ما يصل إلى الأرض يوميا من تلك الأجسام ما بين 1,000 طن إِلى أكثر من 10,000 طن أغلبها صغيرة جدا وفي شكل ذرات أو غبار .

و يمكن للعلماء تحديد مكونات هذه اﻷجسام عندما تمر عبر الغلاف الجوي للأرض، وذلك عن طريق المسار المنحني الذي تسلكه والطيف الضوئي للشهب الناتجة من دخوله الغلاف الجوي للأرض، ويعتبر لون الشهاب مؤشراً لمكوناته فذرات الصوديوم تعطي للشهاب اللون البرتقالي أو الأصفر والحديد يعطي اللون الأصفر، والماغنيسيوم يعطي اللون الأزرق المخضر والكالسيوم يضفي اللون البنفسجي بعض الشيء، والسيليكون يعطي اللون الأحمر.

تتجمع بعض هذه اﻷجسام على شكل سيل يطلق عليه الوابل الشهبي، و ينتج عن مرور اﻷرض بأحد المذنبات ، و هناك أخرى تظهر وحيدة بشكل واضح .
و منها ما تستطيع أن تخترق الغلاف الجوي للأرض ثم تخرج منه مرة أخرى ويطلق عليها الكرات النارية العابرة .

و تصنف الشهب إلى قسمين من حيث انتظام حدوثها :
القسم اﻷول الشهب الفردية أو العشوائية وهي الشهب التي يمكن رؤيتها في أي وقت وأي اتجاه وهي في الغالب تكون حيث تتواجد حبات الأتربة في الفضاء القريب من غلافنا الجوي ولا يمكن التنبؤ بموعدها أو مكان ظهورها.
و القسم الثاني الشهب الدورية أو زخات الشهب وهي التي تأتي في زخات معروفة الموعد سلفا، وهي التي تنتج من اقتراب المذنبات من الشمس حيث يذوب الجليد فيها والمخلوط بالأتربة بتأثير حرارة الشمس ويخسر المذنب جزءاً من كتلته على شكل مخلفات من الحبيبات الترابية والتي تبقى سابحة في مدار المذنب، وعند عبور الأرض مدار ذلك المذنب فإن جزءاً من تلك الحبات يسقط باتجاه الأرض مكوناً العديد من زخات الشهب.  لذلك فإن كل زخة شهابية منتظمة تحدث بسبب مذنب معروف في أوقات محددة سنويا وأماكن ظهور معروفة تسمى نقطة الإشعاع.

تسمي أمطار النيازك عادة على إسم النجم أو البرج الذي يكون متألقاِ وقتها، فالعديد من الامطار النيزكية ترتبطُ بالمذنبات، فهناك شهب البرشاويات في اغسطس وهي ناتجة عن مرور الأرض في مدار مخلفات المذنب سوفت توتل  وسميت بذلك نسبة إلى موقع ظهورها تجاه كوكبة برشاوس حامل رأس الغول ، وشهب الثوريات نسبة إلى برج الثور، وشهب الأسديات في منتصف نوفمبر نسبة إلى برج الأسد  والمرتبطُة مع مذنب تيمبيل توتل ، أما شهب الجباريات والتي تحدث في بدايات شهر اكتوبر وهي نسبة إلى كوكبة الجبار و ترتبط مع المذنب هالي، وشهب الرباعيات لكوكبة العواء في الفترة من نهاية ديسمبر وحتى أوائل يناير فهي بسبب جرم سماوي يعرف باسم EH1 2003 والذي تم اكتشافه عام 2003 ، وكذلك شهب التنينيات في منتصف يناير نسبة إلى كوكبة التنين والناتج عن مدار المذنب 21بي/جيكوبني–زينير وشهب التوأميات في مايو حيث يبدو تساقطها من جهة كوكبة التؤمان وسببها هو كويكب يطلق عليه إسم فيثون 3200، وشهب القيثاريات في منتصف أبريل و يعود سببها إلى المذنب ثاتشر وتظهر نقطة إشعاعها من كوكبة القيثارة، وتوردس مع المذنب إنك وهكذا .

يمكن رؤية النيازك خارج المدن في ليل مظلم  بعيدا عن مناطق تلوث الإضاءة ، وأحيانا يمكن مشاهدة عرض من النيازك بشكل مثير، و هو ما يطلق عليه امطار نيزكية أو زخات الشهب أو سيل الشهب، و بعض هذه الأمطار تحدث سنوياً و على فترات منتظمة تقريبا، و أكثر ما تحدث خلال فصلي الخريف والشتاء، ويزيد العدد دائما بعد منتصف الليل وأعظمها قبل الفجرِ، ولعل الأكثر شهرة هو عرض بيرسيدس الذي يبلغ الذروة في الثاني عشر من أغسطس سنوياً.

و سقوط النيازك أمر طبيعي ومنتشر ولم يحدث ان سجلت حالات وفاة او إصابة بسبب ذلك السقوط، غير بعض الحالات القليلة النادرة .

هذا هو التفسير العلمي الذي توصل إليه العلماء المختصون في هذا الشأن و بنوا عليه نظرياتهم للتعامل مع الكون و اﻻستفادة منه ، و ليس هو كل الحقيقة ، فقد يكشف الله سبحانه و تعالى في قابل اﻷيام لعباده حقائق أخرى كانت غائبة عنهم كما مر بنا في تطور الفكرة التقليدية عن الشهب ، لكن هل ورد في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله الكريم ما يناقض هذه الحقائق ؟
الجواب هو بالنفي بل إنه قد وردت آيات فيها اشارات الى هذه الحقائق و منها قوله تعالى :

﴿ فقضاهنَّ سبعَ سماواتٍ في يوميْنِ وأوحى في كلِّ سماءٍ أمرَها وزيّناّ السماءَ الدنيا بمصابيحَ وحفظاً ذلكَ تقديرُ العزيزِ العليمِ ﴾ [فصّلت: 12].

و قوله سبحانه :

﴿ وجعلنا السماءَ سقفاً محفوظاً وهم عن آياتِها معرضونَ ﴾ [الأنبياء: 32].

و من هاتين اﻵيتين نستفيد بأن الله لما خلق اﻷرض و قدر فيها أقواتها و خلق لها خلقا يعيشون على ظهرها ليعبدوه و ﻻ يشركون به شيئا أحاطها بالغلاف الجوي ليحميها من العوادي و هو ما سماه سبحانه و تعالى بالسماء الدنيا أي القريبة فالسماء في اللغة العربية تعني العلو و كل ما سما اﻷرض أي علاها من غلاف جوي و نجوم فيعبر عنه بالسماء .

ثم قال سبحانه و تعالى :

﴿ ولقد جعلنا في السماءِ بُروجاً وزيّناها للناظرينَ (16) وحفظناها من كلِّ شيطانٍ رجيمٍ (17) إلّا مَنِ استرقَ السمعَ فأتبعَهُ شهابٌ مبينٌ (18) ﴾ [سورة الحِجْر].

﴿ إنا زيّنّا السماءَ الدنيا بزينةٍ الكواكبِ (6) وحفظاً من كلِّ شيطانٍ ماردٍ (7) لا يسَّمَّعونَ إلى الملإ الأعلى ويُقْذَفونَ مِنْ كلِّ جانبٍ (8) دُحوراً ولهمْ عذابٌ واصبٌ (9) إلّا مَنْ خَطِفَ الخطفةَ فأتبَعَهُ شهابٌ ثاقبٌ (10) ﴾ [سورة الصافّات].

  ﴿ ولقد زيّنا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وجعلناها رُجوماً للشياطينِ ﴾ [الملك: 5].

و في هذه اﻵيات إشارة الى أنه قد ينحرف بعض اﻷجرام السماوية عن مساره و ما خلق له و يسمى في هذه الحالة شيطان - ﻷن الشيطان في اللغة كل باغٍ متمردٍ عات - فإذا اتجه بعض هذه الشياطين نحو اﻷرض صده الغلاف الجوي و أحرقه و رجمه و من معاني الرجم القتل و الطرد و اﻹبعاد ، و التعبيران :
( استرق السمع ، خطف الخطفة ) مثلان يشيران إلى سرعة هذه اﻷجرام عند توجهها الى اﻷرض كما يحدث من السراق و الخاطفين .
أما اﻵية ( ﻻ يسْمَعون إلى الملإ اﻷعلى ) فإنها على قراءة بن عباس و غيره بإسكان السين و تخفيفها و عليه فتفسر بأنها وصف للشياطين الذين ﻻ يسمعون للملإ اﻷعلى بخروجهم و انحرافهم عما خلقوا من أجله و الله أعلم .

أما ما روي من أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام بأن شياطين الجن يركب بعضها بعضا حتى تصل إلى السماء و تتسمع إلى ما تقوله الملائكة فتخطفه فترجم بالشهب و من يسلم منها يلقي ما خطفه الى الساحر أو الى الكاهن فلم يصح منها شيئ و لم يتكلم به رسول الله عليه الصلاة والسلام، و إنما هو نتاج ثقافة عصر أولئك الرواة ، و ما ورد منها في الصحاح فهو إما معلق أو حديث صحيح أدرج معه كلام بعض الرواة و روي على أنه من حديث رسول الله عليه الصلاةوالسلام.

اللهم علمنا ما ينفعنا و اهدنا و سددنا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق