قال البخاري رحمه الله تعالى : حدثنا إسحاق بن نصر حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العين حق ونهى عن الوشم . هذا استنباط استنبطه أبو هريرة رضي الله عنه و ليس رواية لما سمعه من رسول الله صلى الله عليه و سلم بلفظه و الدليل قوله و نهى عن الوشم فلا يتصور أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " العين حق و نهى عن الوشم " بهذا اللفظ . و المتصور أن أباهريرة رضي الله عنه كان في مجلس علم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و همام رحمه الله يكتب في صحيفته المشهورة فسأله سائل عن العين ؛ فأجابه : العين حق ، ثم سأله عن الوشم فأجابه : نهى عليه الصلاة و السلام عن الوشم . فكتب همام هذا في الصحيفة ثم رواه لمن بعده . و قد يكون اعتمد رضي الله عنه في هذا اﻻستنباط على قصة سهل بن حنيف الذي رآه عامر بن ربيعة رضي الله عنهما فأعجبه بياض جسمه فقال له على سبيل المزاح : ما رأيت كاليوم و ﻻ جلد مخبأة ؛ أي أن جلده كجلد الفتاة الملازمة لخدرها فتشاءم سهل من قول عامر و خاف فمرض حتى صبوا عليه ماء اغتسل فيه عامر بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فبرئ . و قصة سهل و عامر رواها اﻹمام مالك و اﻹمام أحمد و غيرهما رحمهم الله . لكن الضرر الذي أصاب سهلا كان من جراء تشاؤمه من الكلام السلبي الذي أطلقه عامر و خوفه منه ﻷن العرب كانت تعتقد بتأثير العين المزعوم و تروي فيه قصصا و أساطيرا فسبب له ذلك اضطرابا نفسيا و خللا في وظائف أعضائه كما يحدث لمن يتلقى خبرا مفزعا أو يتعرض لخوف شديد من حيوان مفترس و نحو ذلك و لو أن عامرا قرن كلامه بذكر الله و الدعاء بالبركة كما وجه بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ﻻطمئن سهل و لم يصب بما أصيب به و لو أن سهلا لم يبال بما قاله عامر و لم يأبه له لما أصابه ما أصابه و هذا مجرب و مشاهد في وقتنا الحاضر . و الحاصل أن ما أصاب سهلا ليس من عين عامر و إنما هو من كلامه الذي أثار فيه الخوف من العين فمرض ، فكان علاجه من مصدر خوفه بشئ من ريحه وعرقه المختلط بالماء و هو شبيه بالعلاج الذي استخدمه يوسف ﻷبيه عليهما السلام و هو قميصه الذي فيه ريحه و عرقه ﻷنه كان مصدر حزنه الذي تسبب في عماه ، و أما العين فليس لها أي تأثير على اﻷشياء و إنما هي آلة خلقها الله سبحانه و تعالى لنقل الصور إلى الدماغ و ما يتناقله الناس من قصص اﻹصابة بالعين غالبها ليست بصحيحة و ما صح منها فهو بسبب ضعف التوكل عند بعض الناس و خوفهم الشديد من تأثير العين المزعوم فيتأثرون و يضطربون بمجرد سماعهم كلمة او تعرضهم لنظرة من اﻵخرين فالخلل إذا فيهم و ليس من العين . فالواجب على المسلم أن ينتقي اﻷلفاظ اللطيفة حينما يرى ما يعجبه من أخيه و يدعو له بالبركة لتطمئن نفسه و تسكن ، كما أن على صاحب النعمة أن يثق بالله و يعلم بأن الله هو الذي بيده النفع و الضر فلا يخف و ﻻ يتشاءم مما يسمعه من كلمات سيئة سواء من حاسد أو مازح . و الذين ينشرون القصص الكاذبة و يستشهدون لها باﻵيات القرأنية و اﻷحاديث النبوية إنما يشيعون الخوف في المجتمع فيصبح قابلا للتأثر بما يسمى بالعين خطأ و ليس للعين دخل فيه و إنما هو نتيجة للخوف منها . لقد تقاطع اﻷرحام بسبب الخوف من العين و غابت عبادة التحدث بنعمة الله بل إن البعض ليظهر البؤس و التشكي حتى ﻻ يصاب بالعين وقانا الله و إياكم من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا . و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله و صحبه و الحمد لله رب العالمين .🌷
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق