(وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) ... الآيات من سورة البقرة.
الذي يظهر أن حادث ذبح البقرة هذا منفصل تمامًا عن حادث قتل النفس الذي سوف يذكر لاحقاً، فقد استأنف القرآن الكريم حادث ذبح البقرة بقوله: (إذ)، وكذلك بدأ ذكر حادث قتل النفس أيضا بقوله (إذ)، كما فعل في بداية ذكر كل حادث مرّ ذكره في الآيات السابقة:
(إِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)
(وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ)
(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)
(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا)
(وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ)
وكلها أحداث مستقلة منفصلة عن بعضها. وهذا دليل بيّن على أن هاتين الحادثتين منفصلتان، ثم إنه لا معنى لضرب القتيل بجزء من جسم البقرة لإحيائه، فلو أراد الله تعالى إحياء القتيل ما كان هناك داع لذبح بقرة وضرب القتيل ببعضها، وإنما كان يمكن إحياؤه بدعاء موسى عليه السلام.
كان بنو إسرائيل يعيشون في مصر، وكان المصريون يعظمون بعض الحيوانات ومن أهمها العجل الذي كانوا يختارونه بمواصفات خاصة، ويقيمون له التماثيل، ويشيّدون له المعابد، ويضعون صوره على جدرانها. ومن هذه العجول (عجل أبيس) الذي اتخذوا يوم ميلاده عيدا ويوم وفاته مأتما . وكانوا يحنّطونه ويدفنونه في مقابر خاصة، ويبحثون بعده عن عجل مثله. وكانوا يعتبرونه مظهرا لإله الشمس. وكانوا لا يجيزون أكل هذه الحيوانات. وقد استمرت هذه العادة فيهم إلى رمسيس الثاني، وكان بنو إسرائيل متأثرين بهذه العقائد المصرية تبعاً لمن كانوا لهم اسيادا، كما يتبين ذلك من الآية: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)الأعراف، ومما جاء في التوراة، خروج ۳۲: فنزَعَ جميعُ الشَّعبِ حَلَقَ الذَّهَبِ الّتي في آذانِ نِسائِهِم وجاؤوا بِها إلى هرونَ. - في قرآننا أنه السامري وهو الصحيح لأن هارون عليه السلام نبي معصوم - 4فأخذَها منْ أيديهِم وأذابَها وسَكبَها في صَنَمٍ على صورَةِ عِجْلٍ.انتهى، مما يدل على أن تعظيم البقرة في قلوبهم وصل إلى حد تأليهها. كما قال تعالى: (وأشربوا في قلوبهم العجل) أي تمكّن حب العجل في قلوبهم .
ولما كان الهدف الأساس للأنبياء القضاء على الشرك وإظهار جلال الله الواحد الأحد، الخالق المالك؛ فكان ضروريا أن تتضمن شريعة موسى عليه السلام من التعاليم ما يستأصل من قلوب بني إسرائيل تعظيم البقرة، ولذلك تضمنت شريعته ذبح البقر في عدة مناسبات . لقد أمر الله موسى أن يقيم سنة ذبح البقر لكي يقتلع من قلوبهم هذه الميول الشركية، ولعلّ هذا الأمر كان بعد حادثة اتخاذهم العجل .
والله أعلم .
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (72)فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) البقرة .
هذه الآية الكريمة تتحدث عن حادثة أخرى غير حادثة ذبح البقرة السابق ذكرها فقوله - تعالى - : ( وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها )
التدارؤ : تفاعل من الدرء وهو الدفع ، فمعناه : التدافع ، وهو يدل على أنه كان خصام واتهام ، وكان كل يدرأ عن نفسه ويدعي البراءة ويتهم غيره ، وكان للقاتلين والعارفين بهم حظوظ وأهواء كتموا فيها الحقيقة ، ولذلك قال - تعالى - بعد التذكير بالجريمة : ( والله مخرج ما كنتم تكتمون ) من الإيقاع بقوم برآء تتهمونهم بالقتل لإخفاء القاتل ؛ لأنه لا يخفى عليه مكركم .
وأما قوله : ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى)
أي اضربوا القاتل ببعض جرائمه - فقد قتل ثم أنكر ثم اتهم قوما برآء - ثم ينال بقية جزاءه يوم القيامة . كما قال تعالى: (فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم) أي فاعلم أن الله يريد أن يتعجّل عقوبتهم في عاجل الدنيا ببعض ما قد سلف من ذنوبهم .
ومعنى إحياء الموتى حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك ، بسبب الخلاف في قتل تلك النفس ، أي يحييها بمثل هذه الأحكام ، وهذا الإحياء على حد قوله - تعالى : ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) المائدة ٣٢ وقوله : ( ولكم في القصاص حياة ) البقرة ١٧٩ . فالإحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين . ثم قال : ( ويريكم آياته ) بما يفصل في الخصومات ، ويزيل من أسباب الفتن والعداوات ، فهو كقوله - تعالى - : (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ) النساء ١٠٥ .
أما ما ورد في بعض التفاسير من قصص مفادها أن البقرة ذبحت ليضرب ببعض أجزائها - لسانها أو ذنبها - المقتول فيخبر عمن قتله فقد قال عنها الحافظ ابن كثير:
وهذه السياقات كلها عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم ، فيها اختلاف ما ، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل وهي مما يجوز نقلها ولكن لا نصدق ولا نكذب فلهذا لا نعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا ، والله أعلم إنتهى كلامه رحمه الله.
والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.