أيْ: دَنَتِ السّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ وينشق فيها القمر، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في هذا الانشقاق يدل على تحَقُّقِ وُقُوعِه، كَما قالَ تعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] أي أنه سيأتي أمر الله لا محالة، وقالَ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]
وقال تعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]
والسماء في اللغة تعني العلو وكل ما سما اﻷرض أي علاها من غلاف جوي وأجرام سماوية يعبر عنه القرآن الكريم في بعض الآيات بالسماء،
وهي في هذه الآية الأجرام السماوية من النجوم والكواكب أيْ: يَنْصَدِعُ نِظامُها فَلا يَبْقى حالها عَلى ما نراه اليَوْمَ، ومن هذا النظام الشمس والقمر، قال جل وعلا: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أيْ: أُزِيلَتْ مِن مَكانِها، وأُلْقِيَتْ عَنْ فَلَكِها، ومُحِيَ ضَوْؤُها.
﴿وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أيْ: تَنَثَّرَتْ وانْقَضَّتْ.
والخلاصة أن هذا الانشقاق سوف يحدث يوم القيامة بأمر الله تعالى وتقديره.
أما القصة التي تروى بأن القمر انفلق فلقتين على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام بعد أن طلب المشركون منه آية، فهي من وضع أهل التفسير حسب المعهود عنهم بوضع أسباب لنزول السور والآيات،
ثم تلقفها أهل الحديث وركبوا لها أسانيدا لتصحيحها، وقد
اشتهر عند العلماء قول الإمام أحمد:
"ثلاثة لا أصل لها: التفسير والمغازي والملاحم".
ويروى في سبب رواج قصة انشقاق القمر عند العلماء أن بعض الملاحدة طَعن في القرآن بناء على هذا التفسير، من جهة أنَّ القَمَرَ يُشاهِدُهُ كُلُّ الناس، فَلَوِ انْقَسَمَ قِطْعَتَيْنِ لتَواتَرَ وشاعَ، ولَمْ يَخْفَ عَلى أحَدٍ، والطَّبائِعُ حَرِيصَةٌ عَلى إشاعَةِ ما لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، وهذا من غبائهم - كما هو حال ذريتهم من ملاحدة اليوم - حيث لم يفهموا أساليب اللغة العربية وأدواتها البلاغية، فانبرى لهم أهل الحجج الواهية كحال تلامذتهم في هذا الزمان بالتأكيد على القصة المزعومة ودعوى الإجماع على تواترها وتكفير من لم يصدقها، فشاع هذا التفسير وتحرّج كل من رام مخالفته، مع أن القول بانشقاق القمر يوم القيامة قد قال به بعض السلف منهم الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وهو من أهل مكة وأخبر بهذه القصة لو أنها حدثت.
والله تعالى أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق