"تاكيو أوساهيرا" طالب بعثة ياباني نصحه أستاذه الياباني أن يدرس الميكانيكا العلمية في جامعة هامبورج بألمانيا، فلما حصل على الابتعاث من حكومته، كان اعتقاده أن المحرك هو سر الصناعة كلها، فصار حلمه أن يذهب إلى مصنع ليرى ذلك بنفسه وكيف يُصنع، وحين ذهب للجامعة فوجئ بالدراسة النظرية وبالكتب الكثيرة التي عليه أن يدرسها، ومع ذلك راح يلتهم العلم التهاما، لكنّ قضية المحرك كانت كأنها لغز يصعب حله، وذات يوم جاء الفرج فقد اطلع "تاكيو" على إعلان في الصحف عن معرض لمحركات إيطالية، فأخذ مكافأته ليشتري بها محركاً صغيراً بقوة "حصانين" وعاد به إلى حيث يسكن ويدرس، وضع المحرك في غرفة نومه وراح يتأمله، ويحدث نفسه قائلاً: هنا يكمن سر قوة أوروبا، ومتى استطعت أن أصنع مثله فسيتغير اتجاه التاريخ في اليابان " .
قرر تاكيو أن يقوم بتفكيك هذا المحرك ثم يعيد تركيبه وتشغيله ، فإذا استطاع ذلك فقد كشف "السر" ، لكنه خاف إن فككه أن لا يعرف كيف يعيده، فأحضر حزمة من الورق، وكلما فك قطعة رسمها على الورق وأعطاها رقماً خاصاً، فلما انتهى من التفكيك، عمل على إعادة التركيب، ثم شغل المحرك، فلما اشتغل - يقول "تاكيو" : " كاد قلبي أن يتوقف من شدة الفرح " ، هذه العملية كلفته العمل ثلاثة أيام، يتناول وجبة واحدة في اليوم، ولا ينام إلا قليلاً.
هنا هرول "تاكيو" ليقابل رئيس البعثة ، ويخبره بما فعل، فكان جوابه: حسناً فعلت وسآتيك بمحرك متعطل، وعليك أولاً تفكيكه، والكشف عن مكان العطل، ثم تقوم بإصلاحه وتشغيله، فقبل تاكيو هذا التحدي واشتغل عشرة أيام حتى حدد مكان العطل، مستخرجاً ثلاث قطع تالفة، ثم صنع بيديه قطعاً جديدة، توجه بعدها إلي مكتب رئيس البعثة ففرح كثيراً وقال له: جاء الوقت لتقوم بصناعة محرك من البداية بنفسك.
يقول تاكيو: إلتحقت بمصانع صهر الحديد وصهر النحاس والأولومنيوم، لأتمكن من صناعة المحرك، وبدلاً من أن أعد رسالة الدكتوراه كما أراد أستاذي الألماني، وكما حلم والداي، تحولت إلي عامل في المصنع يلبس بدلة زرقاء ويقف إلي جانب عمال صهر المعادن لأتعلم كيفية عملهم، كنت أطيع أوامرهم وكنت أخدمهم وقت الطعام والراحة، مع أنني كنت من أسرة ساموراي، وهي من أشرف وأعرق الأسر في اليابان، ولكنني كنت أخدم بلدي اليابان، التي لأجلها يهون كل شئ .
قضى "تاكيو" ثمان سنوات، يشتغل بمعدل خمس عشرة ساعة يومياً، وفي الليل يراجع قواعد كل صنعة،
وعندما علم إمبراطور اليابان بأمره
قدم له خمسة آلاف جنيه ذهب، أنفقها تاكيو كلها في شراء محركات وأدوات صناعية، ثم قرر العودة لبلاده، تاركاً الدكتوراه خلف ظهره.
وفي ظرف تسع سنوات أنجز صنع عشرة محركات، خصص لها الإمبراطور قاعة في قصره، ثم قام تاكيو بتشغيلها، وعندما دخل الإمبراطور، وسط تحية الجميع ، ابتسم وقال: ( هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي، إنها أصوات محركات يابانية خالصة ) . يقول تاكيو: " بعد ذلك نمتُ عشر ساعات متواصلة لأول مرة منذ سنوات".
شكراً لكل رجلٍ نزيهٍ خدم بلده بإخلاص، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
💡💡💡💡💡💡💡💡
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق