الأربعاء، 2 سبتمبر 2020

قصة أصحاب الفيل

سار أبرهة الحبشي بجيشه من اليمن إلى مكة المكرمة قاصداً هدم الكعبة فلما وصل إلى المُغَمّس بالقرب من مشعر عرفات - وهي أرض معروفة لدى أهل مكة المكرمة إلى اليوم - أصيب جنده بداء الجُدري، فكانوا يتساقطون من شدة المرض، وأرسل الله عليهم جماعات من الطيور الجارحة - آكلة اللحوم - وهي النسور، والصقور، والحدأة، (طيراً أبابيل) وهذه الطيور متوطنة حول مكة المكرمة إلى اليوم يراها الناس تتجمع حول الحيوانات النافقة وكذلك حول المعارك لتتخطّف القتلى والجرحى، فكانت تهاجمهم وتنهش أجسادهم وتأخذ أشلاءهم إلى الصخور البركانية المنتشرة في تلك المنطقة (حجارة من سجّيل) فترمي بها على تلك الصخور وتأكلها، وكفى الله أهل مكة شر هذا الجيش، وهذا من الإرهاصات والدلائل التي سبقت مبعث سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فذكّر الله تعالى قريشا بها في هذه السورة.

والله تعالى أعلم. 

أما كيف يمكن للفيل أن ينتقل من اليمن إلى مكة المكرمة والطريق صحراوي وليس به ماء أو طعام كما يعترض بعضهم فهذا ليس من المحال لأن الطريق من اليمن إلى مكة المكرمة مليئ بالقرى والمزارع والأراضي الخضراء المعشبة سواءاً الحجازي عن طريق جبال السروات في فصل الصيف أو الساحلي على ساحل البحر الأحمر في فصل الشتاء والموارد المائية منتشرة فيه، وقد ذكر المؤرخون أن أحد ولاة مكة المكرمة استجلب فيلا فكان يمشي في الطرق والأسواق ولا يعترضه أحد ولم يذكروا أنه كان يحتاج إلى كمية كبيرة من الطعام والشراب التي يذكرها بعض المعترضين.

كما أن المسافة بين اليمن ومكة المكرمة ليست بعيدة كما يتصور البعض فقد ذكر المؤرخون أن الأشراف السليمانيون حكام المخلاف السليماني باليمن وهو ما يسمى اليوم بمنطقة جازان بالمملكة العربية السعودية حكموا مكة المكرمة بالإضافة إلى حكمهم لمنطقتهم وذلك في القرن الخامس الهجري حتى غزاهم علي الصليحي وكيل الدولة الفاطمية على اليمن واستولى على مكة المكرمة ثم إن جيشه أصابه الوباء ولا أخاله إلا الجدري فخرج منها بعد أن نصّب أحد الأشراف الموسويين. 

السبت، 15 أغسطس 2020

تفسير آيات من سورة النجم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ.
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ،
الخطاب موجه لقريش، والمقصود بصاحبكم، هو رسول الله عليه الصلاة والسلام،

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ. 
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ.
 
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ،
وهو جبريل عليه السلام

ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ،
قال ابن عباس: ذو منظر حسن.
واستوى أي استقام على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها،

وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ،
أي الجِهَةِ العُلْيا مِنَ السَّماءِ المُقابَلَةِ لِلنّاظِر،
كما في سورة التكوير: ولقد رآه بالأفق المبين.

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ،
أيْ ثُمَّ قَرُبَ جِبْرِيلَ مِنَ النَّبِيِّ عليهما الصلاة والسلام، فكان بين السماء والأرض،

فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ،
أي فكانت مسافة قربه من النبي بمقدار قوسين أو أقرب، قال النسفي في تفسيره:
أيْ: عَلى تَقْدِيرِكُمْ، كَقَوْلِهِ: أوْ يَزِيدُونَ، الصافات: ١٤٧، وهَذا لِأنَّهم خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ، ومِقْدارِ فَهْمِهِمْ، وهم يَقُولُونَ: "هَذا قَدْرُ رُمْحَيْنِ، أوْ أنْقَصُ".انتهى،
فالقرآن هنا استخدم قولاً شائعا عند القوم، يستخدم عند تقدير المسافة، والقرآن يستخدم ما يعرفه المخاطب، ويشيع استخدامه عنده.

فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ،
فأوحى الله إلى عبده محمد بواسطة جبريل عليهما الصلاة والسلام، وإبْهامُ المُوحى بِهِ لِلتَّفْخِيمِ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سورة طه: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾

مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ،
يَعْنِي أنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، وعَرَفَهُ بِقَلْبِهِ، ولَمْ يَشُكَّ في أنَّ ما رَآهُ حَقٌّ،

أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ،
تمارونه، يعني تجادلونه،

وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى،
رأى جبريل عليه السلام مرةً أخرى،

عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ،
اَلسدرة هي شَجَرَةُ النَبْقٍ و"اَلْمُنْتَهى"، بِمَعْنى: "مَوْضِعُ الِانْتِهاءِ"، أوْ "اَلِانْتِهاءُ"، كَأنَّها في مُنْتَهى طريق، وآخِرِها، بحيث لَا يُجاوِزْها أحَدٌ، أو في بقعةٍ من أرض مكة يعرفها القرشيون،
وهذا شبيه بما حدث لموسى عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)القصص

عِندَهَا جَنَّه الْمَأْوَىٰ، «جَنَّهُ» بَهاءِ الضَّمِيرِ العائد على النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ،
وقَرَأ بهذه القراءة عَلِيٌّ وأبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ وعبدالله بْنُ الزُّبَيْرِ وأنَسُ وزِرٌّ بن حبيش ومُحَمَّدُ بْنُ كَعَّبٍ وقَتادَةُ وأبو سَبْرة الجهني ومجاهد وسعيد بن المسيب والشعبي وأبو المتوكل وأبو الجوزاء وأبو العالية،
بمعنى: جَنَّ عليه الليل عند تلك السدرة، والله أعلم،
قال أبو حيان في البحر المحيط:
وقِيلَ: المَعْنى ضَمَّهُ المَبِيتُ واللَّيْلُ، وقِيلَ: جَنَّهُ بِظِلالِهِ ودَخَلَ فِيهِ.

إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ،
الإبهام فيه تَعْظِيمٌ وتَكْثِيرٌ لِما غشي الشجرة في ذلك الوقت من نور المَلَك وأشْياءُ لا يَعْلَمُ وصْفَها إلّا اللَّهُ تَعالى.

مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ،
قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يميناً ولا شمالاً، وما طغى: ما جاوز أمر ربه.

لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ،
كَما في قَوْلِهِ تعالى لموسى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾

قال كعب الأحبار عن سدرة المنتهى -وهو من يهود اليمن أسلم بعد وفاة الني عليه الصلاة والسلام، وهو ممن أدخل في تفسير القرآن كثيراً من الأساطير والخرافات، فلا تغتر بقوله أنّى وجدته -:
هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله.
وقال: هي سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم الخلائق،

والله تعالى أعلم. 

السبت، 11 يوليو 2020

قصة سليمان عليه السلام

(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)النمل

في هذه الآية يقص الله تعالى تحدّثُ سليمان عليه السلام بنعمة الله وبما منّ عليه وعلى أبيه من قبل من الحكمة والملك وكل شيئ يقيم به ملكه،
كما جاء في الآية التي قبلها: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ)

وعبارة (منطق الطير) كناية عما يؤتاه المُلهمون، والمحدّثون الذين يحلّقون بأفكارهم وحِكَمهم في السماء كما تحلق الطير،
وقد جاء في سفر الملوك من الكتاب المقدس:
(وَأَعْطَى اللهُ سُلَيْمَانَ حِكْمَةً وَفَهْمًا كَثِيرًا جِدًّا، وَرَحْبَةَ قَلْبٍ كَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ.
وَفَاقَتْ حِكْمَةُ سُلَيْمَانَ حِكْمَةَ جَمِيعِ بَنِي الْمَشْرِقِ وَكُلَّ حِكْمَةِ مِصْرَ.
وَكَانَ أَحْكَمَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ، ...)

وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)النمل.

يعني جُمع لسليمان جنوده من الجن، والإنس، والطير وذلك في مسيرٍ له لملاقاة عدوه،
وقد كان جيشه مكوّن من القادة العظام الذين عُبر عنهم بالجن، وعوام الجند الذين عبر عنهم بالإنس، والطير الذين هم الطلائع، ورجال المخابرات، ومنهم الهدهد صاحب القصة، ولعله سمي بالهدهد لصفةٍ فيه أو في المهمة الموكلةُ إليه تشبه الهدهد الطائر المعروف، أو أنه رجل من أهل اليمن إنضم إلى جند سليمان، وهذا ما جعل سليمان يرتاب من غيابه، وقد جاء في بعض تواريخ اليمن أن من ملوكها: الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو، وهو ما يفيد أن هذا الإسم معروف في ذلك الزمان، والله أعلم.
حتى إذا اقتربوا من وادي النمل أي مستعمرات النمل، وهذه المستعمرات تشبه الوادي كما صورها بعض الباحثين ونشر عنها مقطعاً الدكتور عبد الدائم الكحيل حفظه الله،
قالت نملة بلغتها المتعارف عليها بين النمل: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)
ولعل الله سبحانه وتعالى أخبر سليمان، وحياً بما قالته فأعجبه ذلك فتبسم ضاحكاً من قولها،
لكن في قولها ما يوهم أنها عرفت سليمان عليه السلام وجنوده وذكرته باسمه، إلاّ أنه من المعلوم من طريقة القرآن الكريم أن الكلام يُرجع إلى أصله الصحيح ولو خالف الكلام المنطوق، كما سأبينه لاحقاً، فالنملة لم تذكر سليمان بالإسم وإنما قالت ما معناه: إني أرى جيشاً قادماً فاحذروا أن يحطمكم، والله أعلم.

قال الله تعالى:
(ٱلَّذِینَ یَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحࣱ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤا۟ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَـٰفِرِینَ نَصِیبࣱ قَالُوۤا۟ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَیۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۚ فَٱللَّهُ یَحۡكُمُ بَیۡنَكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِۗ وَلَن یَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَـٰفِرِینَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ سَبِیلًا (١٤١)﴾ [النساء

في هذه الآية يقص الله تعالى قول المنافقين لأوليائهم الكافرين: ألم نستحوذ عليكم، ونمنعكم من المؤمنين ففي قولهم المخبر عنه لا يسمّون النبي وأتباعه بالمؤمنين وإنما يقولون محمد وأتباعه، ونحو ذلك، لكن الله تعالى يسوق الخبر بالتسمية الصحيحة ولو خالفت قولهم، وهذا يشبه سياق آية النمل، والله أعلم

(قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) النمل،

العرش، هو سرير الملك، ويمكن حمل الآية على احتمالين:
أن سليمان طلب من جنوده أن يصنعوا للملكة القادمة إليه عرشاً يليق بمقامها تجلس عليه، خاصة وهي صاحبة العرش العظيم الذي تفتخر به وتعده نادرة الدنيا،

وقد يكون عرشها محمولا معها في رحالها جاءت به معها لتجلس عليه خشية أن لا يهيئ لها سليمان عرشا يليق بها،
وحين جاء الخبر بأنها شارفت المدينة أراد سليمان أن يحضر لها عرشها قبل أن تدخل عليه ليريها مقدرة أهل دولته،

ومعنى ( عفريت ) حسبما يستخلص من مختلف كلمات أهل اللغة أنه اسم للشديد الذي لا يصاب ولا ينال ، فهو يتقى لشره،
والجن هم القادة العظام الذين يتكوّن منهم جيش سليمان،
و الذي عنده علم من الكتاب هو رجل من أهل الحكمة من حاشية سليمان؛ أي عنده علم مكتسب من الكتب، أي من الحكمة،
 
والظاهر أن قوله: (قبل أن تقوم من مقامك) وقوله: (قبل أن يرتد إليك طرفك) مثلان ضربا للسرعة في تنفيذ المهمة، والله تعالى أعلم. 

الجمعة، 10 يوليو 2020

الوضع في الأحاديث النبوية

قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وقد قال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
العلامة البارع، موفق الدين قاسم بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسين بن أبي الحديد أبو المعالي، المدائني، الأصولي، الأديب، الكاتب، البليغ.

فصل فيما وضع الشيعة و البكرية من الأحاديث

و اعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم نحو حديث السطل و حديث الرمانة و حديث غزوة البئر التي كان فيها الشياطين و تعرف كما زعموا بذات العلم و حديث غسل سلمان الفارسي و طي الأرض و حديث الجمجمة و نحو ذلك فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث نحو لو كنت متخذا خليلا فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء و نحو سد الأبواب فإنه كان لعلي ع فقلبته البكرية إلى أبي بكر و نحو ايتوني بدواة و بياض أكتب فيه لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان ثم قال يأبى الله تعالى و المسلمون إلا أبا بكر فإنهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه ايتوني بدواة و بياض أكتب لكم ما لا تضلون بعده أبدا فاختلفوا عنده و قال قوم منهم لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله و نحو حديث أنا راض عنك فهل أنت عني راض و نحو ذلك فلما رأت الشيعة ما قد وضعت البكرية أوسعوا في وضع الأحاديث فوضعوا حديث الطوق الحديد الذي زعموا أنه فتله في عنق خالد و حديث اللوح الذي زعموا أنه كان في غدائر الحنفية أم محمد و حديث لا يفعلن خالد ما آمر به و حديث الصحيفة التي علقت عام الفتح بالكعبة و حديث الشيخ الذي صعد المنبر يوم بويع أبو بكر فسبق الناس إلى بيعته و أحاديث مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم من أكابر الصحابة و التابعين الأولين و كفرهم و علي أدون الطبقات فيهم فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في علي و في ولديه و نسبوه تارة إلى ضعف العقل و تارة إلى ضعف السياسة و تارة إلى حب الدنيا و الحرص عليها و لقد كان الفريقان في غنية عما اكتسباه و اجترحاه و لقد كان في فضائل علي ع الثابتة الصحيحة و فضائل أبي بكر المحققة المعلومة ما يغني عن تكلف العصبية لهما فإن العصبية لهما أخرجت الفريقين من ذكر الفضائل إلى ذكر الرذائل و من تعديد المحاسن إلى تعديد المساوئ و المقابح و نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الميل إلى الهوى و حب العصبية و أن يجرينا على ما عودنا من حب الحق أين وجد و حيث كان، سخط ذلك من سخط و رضي به من رضي بمنه و لطفه. انتهى.

قلت: وعلى ذلك قس الأحاديث الموضوعة في زمن الأمويين، والعباسيين، لأغراض سياسية، وعنصرية، وتجارية، وفي فضائل الأعمال، وغيرها،

قال مسلم في مقدمة صحيحه:
وحدثني محمد بن أبي عتاب قال : حدثني عفان ، عن محمد بن يحيى بن سعيد القطان ، عن أبيه قال : لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث .
قال ابن أبي عتاب : فلقيت أنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان فسألته عنه فقال عن أبيه : لم نر أهل الخير في شئ أكذب منهم في الحديث .
قال مسلم : يقول : يجري الكذب على لسانهم ، ولا يتعمدون الكذب.
قلت: هذا اعتذار من مسلم، وإحسان للظن بهم، لأنهم قد يتعمدون الكذب إذا اعتقدوا أنه ينفع الإسلام والسنة، والله تعالى أعلم. 

الاثنين، 30 مارس 2020

خمسة أطعمة تدمر «هرمون الذكورة».. تعرَّف عليها وتجنبها

هرمون الذكورة أو هرمون التستوستيرون؛ وهو أحد أهم الهرمونات الجنسية الذكرية؛ وذلك لأنه مسؤول بشكل أساسي عن ظهور الصفات الجنسية الثانوية عند الذكور.

ومعدل هذا الهرمون يؤثر بشكل كبير على الرغبة الجنسية عند الرجال، فعندما يرتفع مستواه تزداد الرغبة الجنسية لديهم، وعندما ينخفض مستواه تضعف الرغبة الجنسية؛ وبذلك يمكن القول بأن هذا ما يفسر ضعف الرغبة الجنسية عند بعض الرجال.

إليك خمسة أطعمة تدمر هرمون الذكورة “التستوستيرون”:

1 – الأطعمة المحتوية على الهرمونات والمضادات الحيوية

المنتجات الحيوانية التقليدية التي تشمل اللحوم والدواجن والبيض والألبان والعديد من المنتجات التي نستهلكها يومياً عادةً ما تحتوي على هرمونات أو مضادات حيوية تم إعطاؤها للحيوانات بغرض زيادة الإنتاج أو القضاء على الأمراض ولكن عندما تقوم بتناول هذه الأطعمة فإن تلك المخلفات غير المرغوب فيها يتم هضمها بشكل تلقائي مما قد يسبب زيادة معدلات هرمون الأنوثة ” الاستروجين” الذي بدوره يؤدي لنقص هرمون الذكورة ” التستوستيرون”.

وذكرت دراسة نُشرت في دورية “Nutrition Research Review” الصادرة من جامعة كامبريدج، أن الرجال الذين يتبعون حمية نباتية ظهرت لديهم زيادة واضحة في معدلات تركيز كل من هرموني التستوستيرون وهرمون الجنس المرتبط بالجلوبيولين – الضروري لزيادة هرمون الذكورة للمعدلات القصوى – أكثر من أقرانهم الذين يتناولون منتجات اللحوم.

2 – الصويا

فول ومنتجات الصويا تحتوي على مادة “الآيزوفلافون”، وهي نوع من المحفزات النباتية لهرمون الأنوثة التي تؤدي بدورها لرفع هرمون الاستروجين\الاستراديول في الجسم، الذي بدوره يؤدي لنقص معدلات التستوستيرون، الصويا أيضاً تُحفز زيادة معدلات هرمون الإجهاد ” الكورتيزول”.

دراسة حديثة من جامعة كونيتيكت الأمريكية كشفت أن الرجال الذين يتناولون مُكملات غذائية تحتوي على بروتين الصويا لمدة أسبوعين متتالين حدث لديهم نقص في معدلات التستوستيرون، يُستثنى من ذلك “التيمبي” – طعام إندونيسي مُخمر مُصنع من فول الصويا – وأطعمة الصويا المُخمرة الأخرى.

التخمير يقضي بشكل كبير على معدلات “الآيزوفلافون” حيث يؤدي لتكون البكتريا النافعة في أغذية الصويا التي بدورها تقاوم محفزات هرمون الأنوثة في الأمعاء.

3 – فشار الذُرة المُعدّ في الميكروويف

فشار الذرة الذي يُعد الوجبة الخفيفة والصحية الأمثل لعشاق الأفلام مع ذلك فإن المجهز منه في الميكروويف يمكن أن يحتوي على حمض “بيرفلورو أوكتانويك”؛ وهو مادة كيميائية تحويها أكياس الفشار المُعد في تلك الأجهزة.

الخبر الجيد أن “إدارة الغذاء والدواء الأمريكية” حظرت استخدام تلك المادة المقاومة للشحوم منذ الرابع من يناير 2016 ، ولكن من الممكن أن تكون تلك المادة موجودة في أنواع فشار الميكروويف المستورد من دول أخرى أو الموجود من قبل تاريخ الحظر.

وفي 2016 دراسة من مجلة Environment International العلمية أظهرت أن التعرض لمادة البولي فلورو ألكايل ومشتقاتها مرتبطة بشكل وثيق بنقص هرمون الذكورة وارتفاع الهرمونات الأنثوية.

4 – الوجبات منخفضة الكربوهيدرات

التوازن هو كلمة السر عندما نتحدث عن الأنظمة الغذائية المرتبطة بتحفيز هرمون الذكورة، التي يجب أن تشمل أيضاً كميات متوازنة من الكربوهيدرات، فوظائف الجسم ومن بينها إنتاج التستوستيرون تحتاج كميات صحية من الكربوهيدرات عالية الجودة وكميات مناسبة من الدهون الصحية لو أردت تحفيز إنتاج التستوستيرون في جسمك.

النظام الغذائي المحتوى على كميات أكبر من الكربوهيدرات عالية الجودة يمنع هرمون الإجهاد “الكورتيزول” من تقليل معدلات التستوستيرون.

طبقاً لدراسة من جامعة نورث كارولينا، فإن الجمع بين التمارين اليومية ونظام غذائي ذو كربوهيدرات قليلة يؤدي إلى زيادة الكورتيزول وبالتالي نقص معدلات التستوستيرون الحر، بينما دراسة أحدث أظهرت أن نظام غذائي بكمية أكبر من الكربوهيدرات وكميات قليلة من الدهون يُحسن مستويات هرموني التستوستيرون وهرمون الجنس المرتبط بالجلوبيولين.

5 – النظام الغذائي المعتمد على البروتين

البروتين بكميات معقولة ومن مصادر نظيفة يجب أن يكون شعارك إذا أردت تحفيز مستويات التستوستيرون لديك أو أردت بناء عضلات قوية، وتمثل تلك الكمية المناسبة من البروتين حوالي 30: 40 في المائة من احتياجات الجسم اليومية للسعرات الحرارية.

فتناول كميات أكبر من البروتين لن يؤدي لرفع مستوى هرمونات الذكورة بل في الحقيقة إذا لم تكن تمارس تمارين المقاومة بشكل منتظم فإن النظام الغذائي ذا البروتين المرتفع يؤدي إلى نقص معدلات التستوستيرون في جسمك.

دراسة في جريدة Journal of Applied Physiology أظهرت أن تناول نظام غذائي ذي بروتين مرتفع لا يمنع نقص هرمونات الذكورة لدى الرجال الذين يقومون بتمارين عنيفة، ويقومون بحرق سعرات أكثر من التي يتم استهلاكها!

منقول من صحيفة تواصل الإلكترونية الرابط:
https://mobile.twasul.info/1126634/%D8%A3%D8%B7%D8%B9%D9%85%D8%A9-%D8%AA%D8%AF%D9%85%D8%B1-%D9%87%D8%B1%D9%85%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D9%88%D8%B1%D8%A9/

السبت، 25 يناير 2020

بعض مراجع الدكتور محمد شحرور رحمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قرأت مقالاً للدكتور محمد عناد سليمان وفقه الله الكاتب، والمتخصص في اللغة العربية، حاول فيه النظر إلى ما يدعو إليه المرحوم الدكتور محمد شحرور نظرةً موضوعيَّة متجرِّدة، مع إيراد أمثلة يرى أنها تبرهنُ على صحَّة نظره فيما يتعلق بالجانبِ «اللُّغويّ» فقط، وذلك بعد استماعه لست حلقات من البرنامج التلفزيوني النبأ العظيم الذي يحاور فيه الأستاذ يحي الأمير فضيلة الدكتور محمد شحرور رحمه الله.
ونظراً لأن في هذا المقال تتضح المرجعية اللغوية التي اعتمدها الدكتور شحرور أحسن الله مثواه رأيت مشاركة النقاط الرئيسة في ذلك المقال لتتضح الصورة للمنصفين الذين يقبلون الحق مهما كان قائله.

قبل أن يورد الدكتور محمد سليمان الأمثلة نبّه على أمرين:

الأوَّل: أنَّ الدكتور محمد شحرور رحمه الله في اختياراته لمعاني مفردات «القرآن الكريم»، يعتمد منهجًا واضحًا، يظهر من جهتين:

الأُوْلى: القول بعدم وجود «ترادف» في القرآن الكريم، وهو مذهب ثعلب أحمد بن يحيى، وأبي عليّ الفارسيّ، وتلميذه ابن جنيِّ، وهو منهج يقرُّ بأنَّ كلَّ لفظة لها معناها الخاصّ الذي تدلُّ عليه، وتتميَّز به عن غيرها من الألفاظ، فثمَّة فرق بين «جعل» و«خلق»، وبين «نطق» و«قال»، و«نزّل» و«أنزل»، وإن كانت مشتركةً معها في «الأصل» اللُّغويّ الذي «اشتُقَّت» منه.

الثَّانية: اعتماد منهج «التَّثليث» في «الاشتقاق»، وما يتَّصل به من نظام «التَّقاليب» السِّتّة التي أسَّسها وبناها الخليل بن أحمد الفراهيديّ في معجم «العين» فكان الرَّائد فيها، والرَّائد في جمع اللُّغة، بل إنَّه رتَّب «العين» على «مخارج الحروف»؛ لعلمه أنّ لكلّ حرفٍ «صوتًا» يختصُّ به، واجتماع «الأصوات» يؤدِّي إلى إقرار «المعنى» في اللَّفظة الواحدة.

الأمر الثَّاني: إنَّ كلَّ ما جاء به الدكتور شحرور رحمه الله ليس من كيسِه، ولا ينبغي أن ننسبه إليه، ومن الموضوعيَّة أن ننسبَ إلى أنفسنا الجهل به؛ لأنَّ وصفه بالجديد تجنٍّ واضحٌ على «اللُّغة العربيَّة»، واتِّهامٌ لها بما ليس فيها.

وقد ذكر عشرة أمثلة يرى أنها تؤيِّدُ دعواه، وتشير بوضوح إلى أنَّ بعض «أرباب اللُّغة» قد رغبوا عمّا جاء به الدكتور شحرور ، وبرَّأوا «اللُّغة العربيَّة» عمَّا أورده من معاني؛ لأنها لم تطرقْ أسماعهم، فإذا كانت هذه حالهم، فلا تثريب إذن على من هم ليسوا من «أهل اللُّغة»، وذكر أنه قد سبق وأن صنف الدَّكتور يوسف الصَّيدوايّ كتابًا للرَّد على الدكتور محمد شحرور، جانب فيه الصَّواب في معظم ما ذكره، لقلَّة اطِّلاعه، وتحامله على «المؤلِّف» دون النَّظر بموضوعيَّة إلى ما جاء به، ولو فعل لكان خيرًا له، وللُّغة العربيَّة التي ادَّعى أنَّه يدافع عنها، والأمثلة هي:

المثال الأوَّل: يرى الدكتور شحرور أنَّ «الكتاب» قد يأتي بمعنى «الأحكام»، وذكر قوله تعالى: ﴿فيها كتبٌ قيَّمة﴾ شاهدًا عليها، وردَّ عليه الدكتور الصَّيداويّ ذلك بقوله: «إنّ كلمة «قيَّمة» تمنع منعًا مطلقًا من تفسير «الكتب» بأنَّها مواضيع»([1])، والدكتور شحرور يقصد بالمواضيع: الأحكام، ثم أسهب الدكتور الصَّيداويّ بتعليل ذلك من خلال دراسة الفعل «وضع».

وفي حقيقة الأمر كما يرى الدكتور محمد سليمان أنَّ الدكتور شحرور لم يأتِ بجديد، ولا أصاب الدكتور الصَّيداويّ في ردِّه؛ لأنَّ هذا المعنى مذكور في كتب اللُّغة، وأوّل من قال به «ابن فارس» في معجمه «مقاييس اللُّغة» حيث جاء: «وقال تعالى: ﴿يتلو صحفًا مطَّهرة، فيها كتب قيَّمة﴾، أي: أحكام مستقيمة»([2]). بل إنّ «ابن فارس» يورد أصل معنى الفعل «كَتب»، وما حُمل عليه من المعاني التي ينسبها المنكرون والموافقون إلى الدكتور شحرور نفسه في معنى «الكتاب»،
يقول «ابن فارس»: «كَتَب: الكاف والتَّاء والباء أصلٌ صحيح واحد، يدلُّ على جمع شيء إلى شيء. من ذلك: الكتاب والكتابة، يقال: كتبتُ الكتابَ أكتبُه كَتْبًا، ويقولون: كتبتُ البغلةَ: إذا جمعتُ شُفري رحمها بحَلْقة»([3])، ثمَّ يذكر ما يُحمل عليها من معاني فيقول: «ومن الباب الكتاب، وهو الفرض»([4])، ويقول: «ويقال للحُكم: الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما لأقضينَّ بينكما بكتاب الله تعالى، أراد: بحكمه»([5])، ويقول: «ويقال للقَدَر: الكتاب»([6])، و«من الباب: كتائب الخيل، يقال: تكتَّبوا»([7])، وهذه الأخيرة حمل عليها الدكتور شحرور قوله: «كتيبة الجنود»، التي ردَّها الدكتور الصَّيدوايّ عليه، ولا مبرِّر لردِّه إلا التَّحامل، ولا شيء غيره؛ لأنَّ الدكتور الصَّيدوايّ ردَّ ما يعنيه «الكتاب» من معنى «الجمع»، وهو كما رأيناه الأصل الوحيد الذي يحمله الجذر «كَتَب».

المثال الثَّاني: لفظ «المصحف» وهو ما يتَّصل بالأوَّل، حيث يرى الدكتور شحرور أنَّ «القرآن» لا يجوز أن نسمِّيه إلا «مصحفًا»، وقد ردَّ عليه الدكتور الصَّيدواي ردًّا فيه تهكُّم لا يُقبل منه فقال: «وذلك أنَّ القرآن عنده شيء، والكتاب شيء آخر، وزعمه هذا يمنعه من أن يسميّ كلام الله قرآنا أو كتابًا، ولقد فُتح عليه بكلمة «مصحف» فسمَّاه بها»([8]). ثمَّ أكَّد تهكُّمَهُ حين قال: «وتسألني أين الطَّرافة: فأقول لك: إنَّ ما ادَّعاه المؤلِّف يعني أنَّ كلام الله ظلَّ نحوًا من ربع قرن بغير اسم، أي: منذ بدء نزول الوحي حتّى تولَّى الخلافة أبو بكر رضي الله عنه وجمع القرآن، ذاك أنَّ أبا بكر هو أوَّل من أطلق كلمة المصحف على القرآن كلِّه»([9]). ولا يخفى على الباحث ما في هذا الأسلوب من النَّيل من «الكاتب» لا «المكتوب»، ولا وزنَ له في البحث العلميّ الجادّ.

والصَّحيح أنَّ الدكتور شحرور لم يأتِ به من كيسه، وإنَّما هو مشهور معروف عند أهل اللُّغة، وقد أورده «الخليل بن أحمد» في معجمه «العين» فقال: «وسُمِّي المصحف مُصحفًا؛ لأنَّه أُصْحِف، أي: جُعلَ جامعًا للصُّحُف المكتوبة بين الدَّفتين»([10]). والصَّحُف عند «الخليل: «جمع صحيفة»([11]).

المثال الثَّالث: لفظ «الفرقان»، وهو يتّصل أيضًا بما قبله، واكتفى الدكتور محمد سليمان بما ذكره «ابن دريد» في «الجمهرة» ليُعلم أنَّ كلّ ما ذكره الدكتور شحرور وما رُدَّ عليه ليس بجديد؛ بل إنَّ «ابن دريد» صنَّف كتابًا سمَّاه «لغات القرآن» جمع فيه هذه «الفروق»، وقال عن هذا الكتاب: وأظنُّه من الكتب المفقودة، فلم يشأ الله تعالى أن نقف عليه لنستقصي لغات العرب في القرآن، فضاع الكتاب، وضاعت معه كنوز ثمينة، وأن ابن دريد قال في «الجمهرة»: «وللفُرقان في التَّنزيل مواضع، فمنه قوله جلّ وعزّ: ﴿نزَّل الفرقان﴾، أي: القرآن. والفرقان: النَّصر. ومنه قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان﴾، أي: يوم النَّصر، يعني: يوم بدر. والفرقان: البرهان. وهذا مستقصى في كتاب لغات القرآن»([12]).

وأن فيما قاله «ابن دُريد» أمران:

الأوَّل: أنَّه سمَّى «القرآن الكريم» «تنزيلاً»، وهو ما يستخدمه الدكتور شحرور ويصرُّ عليه، بحيث جعله أصلا واسمًا لازمَّا له.

الثَّاني: أنَّه أورد معانٍ للفرقان وهي: النَّصر، والبرهان، والتَّفريق، وغيرها، وهي ما يستخدمها الدكتور شحرور نفسه على حسب السِّياق القرآنيّ الذي تقع فيه.

المثال الرَّابع: ﴿أمُّ الكتاب﴾، وعنى به الدكتور شحرور: الآيات المحكمات التي هي الشّرائع، والأحكام، وقد شنَّع الدكتور الصَّيداويّ في ردَّه عليه، وأطال، وقال في نهايته: «ولولا خشية الإملال لم أجتزئ من المحيط بقطرة»، وأسبغ على ردِّه شيئًا من «السُّخرية» التي لا تجوز في النَّقد والتَّفنيد، علمًا أنَّ ما جاء به الدكتور شحرور ذكره «الخليل بن أحمد» في «العين» حيث قال: «وأمُّ القرآن: كلُّ آية محكمة من آيات الشَّرائع، والفرائض، والأحكام، وفي الحديث: إنَّ أمَّ الكتاب هي فاتحة الكتاب؛ لأنَّها هي المتقدِّمة أمام كل سورة في جميع الصَّلوات، وقوله تعالى: ﴿وإنَّه في أمّ الكتاب لدينا﴾، أي: في اللوح المحفوظ»([13]).

المثال الخامس: ﴿هل ينظرون إلا تأويله﴾، وعنى الدكتور شحرور بالتَّأويل عاقبة ما يؤول إليه في الزَّمان متأخِّرًا، أي: يوم البعث والنُّشور، ونؤكِّد أيضًا أنَّه لم يأتِ به من كيسه، فقد نصَّ على هذا المعنى «ابن فارس» في «مقاييس اللُّغة» فقال: «ومن هذا الباب: تأويل الكلام، وهو عاقبتُه، وما يؤول إليه، وذلك قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا تأويله﴾، يقول: ما يؤول إليه في وقت بعثهم ونشورهم»([14]). ومنه قول الأعشى:

عَلَى أَنَّها كانتْ تأوّل حبّهَا
تأوّل رِبعيّ السِّقاب فأصبحَا

المثال السَّادس: ﴿مواقع النُّجوم﴾، حيث رأى الدكتور شحرور أنَّها «الفراغ» أو «الفواصل» بين الآيات، وقد ردَّها عليه الدكتور الصَّيدوايّ في الصَّفحة الأخيرة من كتابه([15])، والباحث الممحِّص يعلم أنَّ مَن قاله قد سبق الدكتور شحرور بعصور، فقد قال «الخليل بن أحمد» في «العين»: «والنُّجوم وظائف الأشياء. وكلُّ وظيفة نجم. قال الله عزَّ وجلّ: ﴿فلا أقسم بمواقع النُّجوم﴾، يعني: نجوم القرآن. أنزل جملةً إلى السَّماء الدُّنيا. ثمّ أنزل إلى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم نجومًا في عشرين سنة آيات متفرِّقة»([16]). وعقب بأنه إذا ما أردنا أن نتعجَّب فإنَّنا نتعجَّب من جهلنا بلغتنا، وتركنا لها، حتّى أصبحت رهينة «المعاجم» و«المكتبات»!!

المثال السَّابع: ﴿السَّبع المثاني﴾، يرى الدكتور شحرور أنَّ المراد بـ«المثاني» ما يدلُّ على «اثنين»، أي: ضمّ واحد إلى واحد، بمعناها اللَّغويّ، لا بمعناها العدديّ، وإن دلَّت عليه، أو ما يشير إلى تكراره، ثم بيَّن أنَّها سبعة في «القرآن الكريم»، وقد ذكر «ابن فارس» في «مقاييس اللُّغة» هذا المعنى إذ يقول: «والمثناة ما قُرئ من الكتاب وكرِّر. قال الله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني﴾، أراد أنَّ قراءتها تثنَّى وتُكرَّر»([17]).

المثال الثَّامن: «البلاغة»، حيث يحصرها الدكتور شحرور بالمعنى اللُّغوي الذي يدلُّ عليه أصلها، مستندًا إلى ما نصَّ عليه «ابن فارس» نفسه في «مقاييس اللُّغة» حيث يقول: «بَلَغَ: الباء واللام والغين أصل واحدٌ، وهو الوصول إلى الشَّيء، تقول: بلغت المكان، إذا وصلتَ إليه»([18])، وعندما يحصر «ابن فارس» ذلك بقوله: «أصل واحد» ممَّا يشير إلى أنَّه لا يخرج عن هذا الأصل، وما اشتقّ منه محمول عليه، ومرتبط به في أصل المعنى. وهو ما سار عليه الدكتور شحرور وبنى عليه ما أراده من معاني «البلاغة» و«البلاغ»؛ وقد أورد هذا «الخليل بن أحمد» فقال: «رجلٌ بلْغ: بليغ. وقد بلُغ بلاغة. وبلغ الشَّيء يبلغه بُلوغًا، وأبلغته إبلاغًا. وبلَّغتَه تبليغًا في الرِّسالة ونحوها، وفي كذا بلاغٌ وتبليغ أي: كفاية»([19]). ونظيره ما قاله «ابن فارس»: «وكذلك البلاغة التي يُمدَح بها الفصيح اللِّسان؛ لأنَّه يبلغ بها ما يريده»([20]).

المثال التَّاسع: «البنان»، حيث ذكرَ الدكتور شحرور أنَّ «البنان» الواردة في قوله تعالى: ﴿واضربوا منهم كلَّ بنان﴾، تعني: الجسم كلَّه، وليس «الأصابع»، وهو مصيب في ذلك جريًا على ما نُسب إلى الزَّجاج من أنَّ المعنى «الأصابع وغيرها من جميع الأعضاء»([21])، ونسبةُ هذا المعنى إلى الدكتور شحرور افتخارًا، أو ردِّه عليه إنكارًا ليس من «الإنصاف» بمكان.

ونبّه الدكتور محمد سليمان إلى أنَّ ما ذكره الدكتور شحرور من دلالة «البنون» على «البناء» إنَّما قاده إليه ما ذكره «ابن فارس»، وهو يعتدَّ به، ويعتمد اعتمادًا كبيرًا في نقل أصوله اللُّغويَّة، وقد ذكر «ابن فارس» «البنان» في مادَّة «بنّ» أصلا واحدًا له فقال: «بنَّ: الباء والنُّون في المضاعف أصل واحدٌ، هو اللُّزوم والإقامة»([22]). ولعلَّ الدكتور شحرور رأى في كلام «ابن فارس» ما يشير إليه، فقد قال في «المقاييس»: «وإنَّما اشتقاق البنان من قولهم: أبنَّ بالمكان، إذا قام. فالبنان به يُعتمَد كلُّ ما يكون للإقامة والحياة»([23]).

وأوضح من ذلك ما ذكره «الخليل بن أحمد» من معنى «الْمِبْناة» حيث قال: «والْمبِنْاة: كهيئة السِّتر غير أنَّه يُلقى على مقدَّم الطِّرف، وتكون المبناة كهيئة القبَّة، تجلِّل بيتًا عظيمًا، ويُسكن فيها من المطر، ويكنُّون رحالهم ومتاعهم، وهي مستديرة عظيمة واسعة، لو ألقيت على ظهرها الخُوصُ تساقط من حولها، ويزلّ المطر عنها زليلاً»([24]). ثمَّ إنَّ «ابن فارس» ذكر هذا المعنى في مادَّة «بنو» التي يشتق منها «الابن» فقال: «بنو: الباء والنُّون والواو كلمة واحدة، وهو الشَّيء يتولَّد عن الشَّيء، كابن الإنسان وغيره، وأصل بنائه بنو»([25])، ثم أوردَ ما نصَّ عليه «الخليل بن أحمد» من قبلُ فقال: «وممَّا شذَّ عن هذا الأصل المبناة»([26])،

ولذلك فقد قال: إنَّ الدكتور شحرور مصيب في ذهابه من حيث «الاشتقاق» بناءً على ما أورده «ابن فارس» نفسه، لكنَّه توقَّف عن إسقاط ذلك على «النَّصّ القرآنيّ»، ولم يبحث فيه.

المثال العاشر والأخير: «النِّساء» حيث يرى الدكتور شحرور أنَّه لفظٌ من حيث معناه مأخوذ من «النسء» الذي هو «التَّأخير»، ولا شكَّ أنَّ هذا المعنى وإن كان غريبًا علينا إلا أنَّه موجود في اللُّغة، وله شواهدُه وقائلوه، فقد أرودَ «ابن منظور» في «لسان العرب» ما يؤكِّد ذلك فقال: «نُسِئَتِ المرأَةُ تُنْسَأُ نَسْأً: تأَخَّر حَيْضُها عن وقتِه، وبَدَأَ حَمْلُها فهي: نَسْءٌ، ونَسِيءٌ، والجمع: أَنْسَاءٌ، ونُسُوءٌ، وقد يقال: نِساءٌ نَسْءٌ على الصِّفة بالمصدر»([27]).

فالمرأة الحائض تسمَّى «نَسيء» وتُجمع على «نَساء» بالفتح، وذكر ابن الأعرابيّ أنَّ «النَّسيء» بكسر النُّون([28])، وعليه فإنَّ جمعه يكون على «نِساء» بكسر النُّون أيضًا. وإن كان الفصيح الفتح كما قالوا. بل إنَّ الزَّبيدي في «تاج العروس» قد نصَّ على «نِساء» بكسر النَّون صفة للنَّسء عندهنَّ فقال: «يقال : امرأَةٌ نَسُوءٌ ونَسْءٌ، ونِسوةٌ نِسَاءٌ، أَي تأْخَّر حَيْضُها ورُجِيَ حَبَلُها»([29]).

رحم الله الدكتور محمد شحرور رحمةً واسعة وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان وأحسن عزاءهم فيه.

([1]) بيضة الدِّيك: ص24.

([2]) مقاييس اللغة: 5/129.

([3]) مقاييس اللغة: 5/129.

([4]) مقاييس اللغة: 5/129.

([5]) مقاييس اللغة: 5/129.

([6]) مقاييس اللغة: 5/129.

([7]) مقاييس اللغة: 5/129.

([8]) بيضة الدِّيك: ص34.

([9]) بيضة الدِّيك: ص47.

([10]) العين: 1/193.

([11]) العين: 1/193.

([12]) جمهرة اللغة: 2/315.

([13]) العين: 2/211.

([14]) مقاييس اللغة: 1/163.

([15]) بيضة الدِّيك: ص237.

([16]) العين: 1/486.

([17]) مقاييس اللغة: 1/354.

([18]) مقاييس اللغة: 1/280.

([19]) العين: 1/357.

([20]) مقاييس اللغة: 1/281.

([21]) مقاييس اللغة: 1/188

([22]) مقاييس اللغة: 1/187.

([23]) مقاييس اللغة: 1/188.

([24]) العين: 2/201.

([25]) مقاييس اللغة: 1/288.

([26]) مقاييس اللغة: 1/284.

([27]) لسان العرب: 1/166.

([28]) لسان العرب: 1/166.

([29]) تاج العروس: 1/325.


الاثنين، 13 يناير 2020

فتاوى المقلدين

{قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس، آية 59].

قال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير :
 وفي هذه الآية الشريفة ما يصك مسامع المتصدرين للإفتاء لعباد الله في شريعته بالتحليل والتحريم والجواز وعدمه مع كونهم من المقلدين الذين لا يعقلون حجج الله ولا يفهمونها ولا يدرون ما هي ومبلغهم من العلم الحكاية لقول قائل من هذه الأمة قد قلدوه في دينهم وجعلوه شارعا مستقلا ما عمل به من الكتاب والسنة فهو المعمول به عندهم وما لم يبلغه أو بلغه ولم يفهمه حق فهمه أو فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وترجيحه فهو في حكم المنسوخ عندهم المرفوع حكمه عن العباد مع كون من قلدوه متعبدا بهذه الشريعة كما هم متعبدون بها ومحكوما عليه بأحكامها كما هو محكوم عليهم بها وقد اجتهد رأيه وأدى ما عليه وفاز بأجرين مع الإصابة وأجر مع الخطأ إنما الشأن في جعلهم لرأيه الذي أخطأ فيه شريعة مستقلة ودليلا معمولا به وقد أخطأوا في هذا خطأ بينا وغلطوا غلطا فاحشا فإن الترخيص للمجتهد في اجتهاد رأيه يخصه وحده ولا قائل من أهل الإسلام المعتد بأقوالهم أنه يجوز لغيره أن يعمل به تقليدا له واقتداء به وما جاء به المقلدة في تقول هذا الباطل فهو من الجهل العاطل اللهم كما رزقتنا من العلم ما نميز به بين الحق والباطل فارزقنا من الإنصاف ما نظفر عنده بما هو الحق عندك يا واهب الخير .