مع تصرُّم السنين وتوالي الأعوام سيصل بعض الناس لمرحلة من النضج الفكري تدعى (المرحلة الملكية) وكلمة (الملكية) ترمز إلى أمرين جميلين أولها : فخامة وروعة المرحلة، والأمر الثاني : يعني أن حياتك ستكون ملكاً لك وستهنأ فيها بممتلكات واسعة من الفرح وراحة البال .
هي (مرحلة) يمتلك فيها الإنسانُ حياته، (مرحلة) تتسع فيها المدارك وتبعد فيها النظرة ويتسع فيها الصدر، (مرحلة) تتشكّل بعد جملة من الخبرات وسلسلة من التجارب وكمٍ من المواقف يتعامل صاحبها معها بعقل واعٍ وفكر يقظ فيتعلم منها أشياء جميلة وإن أتت متأخرة ، ولكن أن تصل متأخراً خير لك من أن لا تصل .
* في (المرحلة الملكية), لن تتورط في (جدالات) تافهة ولن تستدرج لمعارك جانبية ، ولن تبذل جهداً على ما لا يستحق من مواضيع، ولن تصرف دقيقة في إقناع من لا يريد أن يفهم أو في محاولات تعديل مساره ولسان حالك يقول : لن أضيع وقتي عليك، ذاك اختيارك وأنت المسؤول .
* في (المرحلة الملكية) لن تؤجر عقلك لأحد ولن تجعل من حولك يفكر عنك، أحكامك على الآخرين أنت من يقررها وفي تلك المرحلة ستصدر أحكاماً منصفة عادلة لا عجلة فيها ولا اندفاع .
* في (المرحلة الملكية) ستدرك أن الهداية بيد رب العالمين وأنك لا تهدي من أحببت؛ فمن الناس من رضي بأن يكون جاهلاً و منهم من رضي بأن يكون عالة على الآخرين، والبعض اختار أن يغرق في مستنقع الغواية ولو صببت المواعظ عليه صباً، و ستدرك حينها أن عليك البلاغ والتوفيق بيد رب العالمين .
* في المرحلة (الملكية) لن تهدر ما تبقى من عمرك في البحث عن «الأحسن» والأروع والأجمل لأنك أدركت أنك عندها ستتجمد عند موقف الانتظار (اللانهائي) بل ستقبل بـ «الحسن» و «المقبول» و «الجميل» لكي تجد نفسك بعد حين في موضع أفضل قليلاً أو كثيراً، مما كان عليه .
* في (المرحلة الملكية) ستدرك أنك المسؤول تماماً عن صحتك وعن كافة شؤون حياتك، وستعرف حينها أنه لن يحمل أحد عنك هماً ولن يتبرع أحد بأخذ المرض عنك لذا لن تعمل بنظام الشمعة المحترقة لتضيئ للآخرين ولن تجعل نفسك شخصاً من الدرجة الثانية، بل ستعتني بنفسك وتدللها وتقدمها على غيرك دون أنانية أو هضم لمن حولك أو استحواذ على حقوق غيرك .
* في (المرحلة الملكية) ستدرك كم هي الحياة كريمة ، فقط تحتاج أن تكون طاهر القلب مبادراً متحركاً متوكلاً على الله وبعدها ستنهال عليك الهبات من كل مكان .
* ستدرك في (المرحلة الملكية) أن خيارك الوحيد أن تكون محباً ؛ محباً لربك الكريم ثم لنفسك العزيزة عليك ، محبا لبذل الخير للبشرية ما استطعت إلى ذلك سبيلا فمن يزرع الحب يجني الحياة .
* في (المرحلة الملكية) ستدرك أن الحال لا يدوم، وأن الألم يزول والوجع ينتهي والظلم يرفع، ستدرك في تلك المرحلة أنه لا ثمة مواقف ولا مشاهد في الحياة ميؤوس منها؛ فالحالات التي لا يُرجى الخلاص منها و عدم الانفكاك من تبعاتها نادرة جداً .
* في (المرحلة الملكية) لن تتتبع أخبار الناس ولن تتقصى أحوالهم؛ لا يهمك إن سافروا أو أقاموا, ماذا أكلوا وما هي سياراتهم؟ أين يسكنون؟ بل ستهتم بنفسك و يشغلك إصلاحها ، و لن تقارن نفسك بأحد بل ستعيش حياتك راض بما كتب الله لك، لا مدً للعين ولا استنقاصاً من نعم الله, بل آخذاً لما وهبك الله وشاكرا له عليها و باذلا أسباب التغيير للأفضل بطمأنينة و سكينة .
* في (المرحلة الملكية) ستدرك أن البشر ليسوا ملائكة ففيهم سيئ الخلق ومنهم قليل التديُّن ومنهم بسيط الفهم و منهم عديم المروءة حتى في أوقات الوئام فتعطي كلا منهم قدره و تنزله منزلته و تحمد ربك على العافية .
* في (المرحلة الملكية) ستدرك أن التكيف مع الظروف أحد أهم أسباب السعادة فمهما كانت قسوة ظروفك وصعوبة حياتك فلن تندب الحظ ولا تلعن الظروف بل ستتعايش مع ما لا يمكن تغييره و تعمل لتغيير ما يمكن تغييره .
وأخيراً.. لماذا تنتظر مرحلة عمرية معينة حتى تنعم بـ(المرحلة الملكية) ؛ خذ بها من الآن فقليل من دروس الحياة ما تأخذه بالمجان، والعقلاء هم من يلتقطون الحكمة ويحاكون العظماء و يتعلمون من تجارب الآخرين ويستفيدون من القوانين و السنن ، وأنا هنا أدعوك لاختصار الوقت وإعفاء النفس من مؤونة التجارب فلا تنتظر أن يتناهى بك السن، وتطوى مراحل الشباب، وتبلغ ساحل الحياة وانعم بـ(المرحلة الملكية) وأنت في ظل الشباب، وربيع العمر لتعيش حياة فخمة تليق بك .
من مقال للدكتور : خالد بن صالح المنيف باختصار و تصرف .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق