الأحد، 7 فبراير 2016

حديث عن السحر

حديث سحر رسول الله صلى الله عليه و سلم دسيسة يهودية

استطاع أعداء الإسلام، من الزنادقة واليهود الحاقدين، أن يقنعوا بعض التابعين أن النبي صلى الله عليه وسلم عزم على الانتحار أكثر من مرة في السنة الأولى من نبوته.

ثم نجحوا في تلقين بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم خضع للسحر في السنة السابعة بعد الهجرة، مستغلين طغيان الخرافات والأساطير على عقول الناس، بفعل المعتقدات الجاهلية التي عادت للظهور بعد توسع الدولة الإسلامية وانقراض أجيال الصحابة الأعلام.

والنتيجة أن الذي يصاب بالجنون فيعزم على الانتحار مرات  وتتناقض أقواله مع الحقائق العلمية و العقلية، ويخضع للسحر الشيطاني قبل موته بسنوات قليلة، لا يمكن أن يكون نبيا مبعوثا، لأن الأنبياء معصومون من الجنون والحمق والسحر .

وقد نجحت خطتهم إلى حد بعيد، فلا يزال بعض الناس يصدقون الأساطير المسيئة لخاتم الأنبياء والقرآن والدين الحنيف كله، بل إنهم يدافعون عنها لمجرد ورودها في الصحيحين، ولو كانت معلقة أو بلاغا منقطع الإسناد .

خلاصة خرافة السحر اليهودية:

مضمون هذه القصة المفبركة هو أن ساحرا تمكن من اختراق بيت النبوة، فحصل على مشط النبي صلى الله عليه وسلم ومشاطته أي شعره الشريف العالق بالمشط، فأخذ ذلك وقرأ عليه طلاسم سحرية، وعقد عليه بعض العقد، ثم وضع كل ذلك في قعر بئر، وبذلك تمكن الساحر من تسليط شيطان جني على عقل النبي المعصوم ووعيه، فكان حسب الأسطورة الشيطانية يظن أنه فعل الشيء وهو لم يفعل، وأنه باشر أزواجه وهو لم يأتهن أبدا، وتزعم الأكذوبة أنه ظل كذلك قرابة ستة أشهر، وهذا أشد السحر كما قال الإمام ابن عيينة رحمه الله.

أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم و حكاية هذا الإفك العظيم.

وتنتهي الأسطورة بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام رجلين أو ملكين، فأرشداه إلى مكان السحر، فذهب مع بعض
أصحابه لإخراجه، وهنا يضطرب راوي الحديث -رحمه الله- هشام بن عروة، فيخبر مرة أنه أخرج السحر ويفيد مرة أنه رجع فزعا من لون ماء البئر وبشاعة النخل الذي يحفها، لكنه صرح بشفاء النبي من السحر.

هذه الخرافة رواها الشيخان فلا تقبل النقاش عند المقلدين مقدسي الصحيحين .

ولعلك تنكر علينا جراءتنا في تضعيف حديث رواه البخاري ومسلم رحمهما الله.

والجواب: إن القواعد أحق بالاتباع من الأئمة، وما انحرفت الأمة إلا بتهيب اللاحق تخطئة السابق، وقد وجدنا إمامين كبيرين يشككان في صحة حديث السحر، وهما مالك بن أنس وسفيان بن عيينة رحمهما الله، فنحن بهما مقتدون.

أما الإمام مالك، فقد عقد في كتابه الموطأ بابا للسحر أسماه : (مَا جَاءَ فِي الْغِيلَةِ وَالسِّحْرِ)، ولم يذكر فيه خرافة سحر النبي صلى الله عليه وسلم، رغم أنه كان رائجا بين علماء عصره، أي أنه لم يصح لديه، ولم يتقبله عقله وقلبه لبشاعته.

ولا يقال في مثل هذا الموضع: إن الإمام لم يكن يعلمه، فإن الإمام مدني كهشام بن عروة وأحد تلامذته الكبار، وقد سمعه جماعة كبيرة من هشام، وجلهم من غير أهل المدينة، أي أنه كان يحدث به كثيرا، فكيف يخفيه عن أقرب تلامذته كالإمام مالك؟
أو أن هشام بن عروة كان يعرف ضعف الحديث، ويدرك أنه سينكر عليه إذا رواه بين علماء المدينة، وربما يتهمونه في عقله، فخص أهل العراق به، ولم يسمعه منه أصحابه المدنيون كمالك بن أنس.

إذا كان اﻷمر كذلك ، وهو ما تؤكده نوعية رواته عن هشام، فإن سلوكه أقوى برهان على نكارة الحديث، إذ محال أن يكون صحيحا عنده، ثم يخشى روايته بين أهل بلده.
ثم نقول: حديث خطير الشأن مثل خبر السحر ولا يعرفه مثل الإمام مالك لا يمكن أن يصح بحال لأنه مدني حيث كان هشام وعروة وأم المؤمنين عائشة المطهرة رضي الله عنها ، وكان أقرب عهدا بزمن النبوة والصحابة والتابعين .

وفي "تهذيب الكمال" عن مُحَمَّد بن أَبي حاتم الوراق، قال: سمعت محمد بن إسماعيل يَقُول: ذاكرني أصحاب عَمْرو بْن علي بحديث ، فقلت: لا أعرفه فسروا بذلك ، وصاروا إِلَى عَمْرو بْن علي ، فقالوا له: ذاكرنا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ بحديث فلم يعرفه. فقال عَمْرو بن علي : حديث لا يعرفه مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل ليس بحديث .
قلت : وحديث خطير المحتوى، رواته مدنيون، ثم لا يعرفه الإمام مالك بن أنس ليس بحديث، بل هو أسطورة .

ولو تأمل العقلاء هذه المسألة وحدها ، أي إعراض الإمام مالك عن خرافة سحر النبي ، والتي لم أر أحدا من المنكرين للقصة انتبه لها، لاستحوا من الدفاع عن خبر ملفق يطعن مقام النبوة .
و قد ردوا أحاديث متعلقة بجزئيات فرعية كسنن الطهارة ومكروهاتها بحجة إعراض كبار الأئمة عن روايتها، أو بدعوى جهالتهم بها، والإعراض أو جهل الكبار علامة الشذوذ توجب الاستنكار .

لكنها هيبة الصحيحين مرة أخرى تعشي البصائر وتعمي الأبصار، وتنحرف بالكبار قبل الصغار .

وأما سفيان بن عيينة، ففي صحيح البخاري ح5432 أن ابن عيينة قال : أول من حدثنا به ابن جريج يقول : حدثني آل عروة عن عروة ، فسألت هشاما عنه فحدثنا عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن . قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر، إذا كان كذا .
لقد استغل المستشرقون أكذوبة السحر، ويستغلها النصارى اليوم، فيحتجون بها على انتفاء نبوة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الأنبياء معصومون من السحر، ومحمد خضع له، فلا يكون نبيا.

ويعتمد عليه الشيعة لإثبات بطلان معتقدات أهل السنة والجماعة، إذ يعتبر عندهم من أقوى الأدلة على سوء أدب السنة مع النبي، وعلى تمكن الروايات المكذوبة من الرواج بينهم، وعلى صدور الخيانة من إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أعطت المشاطة لمن ذهب بها الى الساحر .

ويحتج به العقلانيون والملاحدة على وجود الخرافات والأساطير في معتقدات الإسلام، وبالتالي فهو دين وضعي كغيره من الأديان.

ورغم كل ذلك، فإن البعض يستميتون في الدفاع عن صحة الحديث لمجرد وروده في كتابي البخاري ومسلم، ويتطرف بعضهم فيتهمون منكره بالزيغ والضلال، ناسين أن التصديق به لا يزيد الإيمان، والتكذيب به لا يغضب الرحمن، لأنه واقعة تاريخية لا تدخل في العقائد.

والناظر في المواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية المختصة في مهاجمة الإسلام أو المذهب السني، يجد حديث السحر من جملة مرتكزاتها، فوجب بيان حاله نصحا للأمة، وتحصينا لشبابها ومثقفيها.

موقف المتقدمين من الحديث:

كان الحديث محصورا بين المحدثين، فجاء الإمامان البخاري ومسلم وأدخلاه في الصحيحين، بناء على عدالة رجاله وضبطهم والاتصال بينهم فقط، فنال الدرجة العليا من الصحة بذلك، وتلقاه جماهير العلماء بالقبول، وروجوه بين الناس، واستدلوا به على تأثير السحر، وكانوا يواسون به المرضى، فيقولون لهم : إن أفضل الخلق تعرض للسحر ولكم فيه أسوة، فلا تجهلوا وتضجروا .

إنها اليد اليهودية المحرفة يا أمتي .

وضعوا قصة الانتحار، فشككوا في بداية البعثة، ثم اخترعوا خرافة السحر فدنسوا نهاية النبوة، ونسجوا فيما بينهما أخبارا ملفقة، وتمكنوا من استغفال بعض الرواة بالمكر والحيلة، ومنها ادعاء الإسلام والصلاح، فأسمعوهم تلك الأخبار وأقنعوهم أنهم سمعوها من الصحابة أو التابعين فصدقوهم، ثم نسوا أو تعمدوا إسقاط شيوخهم اليهود المتأسلمين من الأسانيد، وصاروا يروون تلك الأكاذيب عن شيوخهم الأتقياء الأنقياء، وما كان للشيخين وغيرهما من الحفاظ إلا أن يستسلموا أمام صحة السند في الظاهر، وأن يغتروا بقبول مشايخهم لتلك الأساطير، ويا ويل من يطعن في حديث متفق عليه ، ولو تضمن الكفر البواح .

والنتيجة التي خطط لها اليهود هي : من كانت بدايته مجنونا ونهايته مسحورا، فهل يستحق أن يسمى نبيا ؟

الجواب المنطقي : كلا وألف كلا .

وهكذا تستميل القنوات والحركات التبشيرية عقول فلذات أكباد المسلمين، وتصد الراغبين في الإسلام من الغربيين، وعلماؤنا في غفلة معرضون، بل للشبهة مؤيدون، ولإخوانهم من العلماء الغيارى مهاجمون.

إن حديث السحر يعلي من شأن اليهود فيؤكد قدرتهم على النيل من عقل النبي صلى الله عليه وسلم و وعيه، ويؤدي إلى الشك في نبوته، ويتعارض مع العصمة، ويشكك في سلامة الوحي، ويتناقض مع العلم والعقل، ولم يتواتر أو يشتهر أيام الصحابة والتابعين رغم أنه خبر عظيم، فهل يمكن أن يكون أحد اليهود المتأسلمين وراء وضعه، ثم تلقينه لهشام بن عروة المتفرد بروايته عن أبيه عروة بن الزبير؟

ألا يجوز أن يكون هشام سمعه من إسرائيلي محتال، أخبره أنه سمعه من أبيه عروة، ثم خجل هشام من روايته بالواسطة عن أبيه، فأسقطها وروى الأسطورة عن أبيه بالعنعنة، أي أنه لم يصرح بسماع الخبر من أبيه؟

إن هشاما لم يصرح بالسماع في أي طريق من طرق الحديث، لا في الصحيحين ولا في غيرهما رغم تعدد الطرق والأسانيد إليه، أقول هذا وقد استفرغت جهدي كاملا فلم أجده يقول: سمعت أو حدثنا أو أخبرنا ونحو ذلك .

إن هذا الاحتمال أقرب للتصديق، ومعاذ الله أن ندنس مقام النبوة، ونترك كتاب ربنا، ونهجر العقل والمنطق لعنعنة رجل من الرجال، يبدو أنه سمع الخرافة من كذاب دجال، لا من أبيه عروة سليل الأبطال .

فنصرح مطمئنين أن حديث السحر خبر موضوع مكذوب، دسه أحد اليهود على التابعي الجليل هشام بن عروة، فصدقه عقله واستحسنه، حيث نظر لنهايته  الدالة على النبوة، وغفل عن بدايته الناقضة لها، ولم يدر أن الوضاع قد يكون ذكيا داهية يتقن الاختلاق .

وما قلناه عن هشام بن عروة نقوله عن الذين رووه بعده وصولا إلى الشيخين .

أما من جاء بعدهما، فإضافة إلى الاغترار بنهاية الأسطورة المعجزة كما حدث لهشام، فإنهم كانوا مخدرين بمقولة : "الصحيحان أصح الكتب بعد القرآن" .

طعن العقلاء في أكذوبة السحر:

إن حكماء الأمة وعقلاءها لا يجتمعون على ضلالة، وربما يشذ أفراد منهم عن الجمهور برأي صائب، فيكون شذوذهم نورا يمنع ظلمة الضلالة من الإطباق على الأمة، ويبقى ذلك النور خافتا إلى أن يأذن الله فيكبر ويتقوى بكثرة المؤمنين به حتى يصير شمسا وضاءة تنسخ ليالي قرون التقليد والتعصب المقيت.

وبالنسبة لأسطورة السحر التي تقبلها جماهير العلماء تبعا للمحدثين وخوفا، وأنكرها قلة من العلماء العقلاء الشجعان، فإن عقول جماهير مثقفي المسلمين اليوم ترفضها وتمقتها بالفطرة السليمة، وتستشنع نسبتها لنبي الأمة الكريمة.
و سيأتي اليوم الذي تصبح فيه نسيا منسيا، وتلهج الألسن بالاستغفار لمن رواها وصدقها وشرحها مدافعا عنها، ويتعجب بسطاء المسلمين من رواجها بين العلماء، ويحوقلون من إمعان المحدثين في تصحيحها بل والتبرك بروايتها .

أصل خرافة السحر:

كان شياطين اليهود من الدهاة يأخذون واقعة حقيقية مشهورة بين العارفين بأخبار النبي وسيرته الشريفة، ثم يدخلون عليها تحريفاتهم الهادفة للطعن في مقام النبوة والتشكيك في الوحي، ويعيدون نشر ما كتبت أيديهم بين المتلهفين لرواية الأخبار الغريبة الأسطورية مهما كانت خطورتها على العقيدة الصحيحة .

وبخصوص أسطورة السحر، فإن الزنادقة وجدوا واقعة ثابتة، تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم مرض كما يمرض غيره من الناس، فجاءه سيدنا جبريل عليه السﻻم ورقاه ودعا له بالشفاء فارتفع الألم .
هذا ما حصل، مرض النبي بالحمى الشديدة، و شفي منها صلى الله عليه وسلم بمجرد رقية جبريل عليه السلام .

وقد أخذ الزنادقة هذه القصة الصحيحة المشهورة، فحرفوها وجعلوا السحر مكان الحمى، و جعلوه من صنع اليهود، ثم نسبوه لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مستغلين شهرتها برواية القصة الحقيقية.

وقد راجت هذه الأسطورة الشيطانية على بعض التابعين، غفر الله لهم، وأسهموا في نشرها متأثرين بأساطير الجاهلية ، معتقدين وجود السحر بكل أنواعه المزعومة ، بل كانوا يعتبرون بعض الأمراض العضوية سحرا أو مسا من الجن .

موقفنا من السحر :

لا ننكر السحر التخييلي المؤقت، أي الذي يجعل الإنسان يتخيل الشيء على غير حقيقته بفعل الخفة والخداع المحترف، وينتهي بمجرد توقف الساحر وانفضاض مجلس اللعب، فقد حصل مثل ذلك لسيدنا موسى عليه السلام، حيث يقول رب العزة في سورة "طه": ( قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى، قَالَ بَلْ أَلْقُوا، فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِم أَنَّهَا تَسْعَى، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى، قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلقف مَا صَنَعُوا، إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ، وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى )

فأثبت الله السحر التخييلي، وسماه كيدا، أي شطارة وخداعا، ولا علاقة له بالتحكم في الشياطين، وقد كشفت كثير من أسراره وحيله اليوم، فما عليك إلا أن تدخل النت وترى حيلهم وكيف يلبسون على الناس .

اللهم أرنا الحق حقا و ارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطﻻ و ارزقنا اجتنابه .

*  نقلته باختصار من مقال مفيد على هذا الرابط :
http://m.hespress.com/writers/266074.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق