الأحد، 7 فبراير 2016

تفسير آية السحر من سورة البقرة

في هذه اﻵية يكشف الله تعالى حال بعض اليهود في المدينة وما حولها الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم و لم يتبعوا رسول الله عليه الصلاة والسلام بل نابذوه وعادوا دينه و أخذوا يدبرون المؤامرات والمكائد ضده تأسيا بأسلافهم الذين كانوا يدبرون المؤامرات ضد ملك سليمان ليسقطوه و كذلك تأسيا بملكين من ملوكهم كانا يدبران المؤامرات ضد ملك بابل الذي سباهم و منعهم من العودة لبلادهم .

فاﻵية تبين طريقتهم التي اتبعوها في سبيل الكيد للإسلام و نبيه عليه الصلاة و السلام .
قال تعالى : ( و اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان )
قال ابن عباس : تتلو تتبع ، كما تقول : جاء القوم يتلو بعضهم بعضا. ومنه قوله تعالى : ( و القمر إذا تلاها ) أي تبعها .
أي أنهم اتبعو ما اتبعته الشياطين في مناهضة نبي الله سليمان عليه السلام بدعوى أنه كفر و انحرف عن دين أبيه كما جاء في العهد القديم ، سفر الملوك ، اﻹصحاح الحادي عشر  : ( وكان في زمان شيخوخة سليمان ان نساءه املن قلبه وراء الهة اخرى ولم يكن قلبه كاملا مع الرب الهه كقلب داود ابيه. 5 فذهب سليمان وراء عشتورث الاهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين. 6 وعمل سليمان الشر في عيني الرب ولم يتبع الرب تماما كداود ابيه. 7 حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموابيين على الجبل الذي تجاه اورشليم.ولمولك رجس بني عمون. 8 وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لالهتهن. 9 فغضب الرب على سليمان لان قلبه مال عن الرب اله اسرائيل الذي تراءى له مرتين 10 واوصاه في هذا الامر ان لا يتبع الهة اخرى.فلم يحفظ ما اوصى به الرب. 11 فقال الرب لسليمان من اجل ان ذلك عندك ولم تحفظ عهدي وفرائضي التي اوصيتك بها فاني امزق المملكة عنك تمزيقا واعطيها لعبدك ) .
فبرأ الله تعالى نبيه سليمان عليه السلام من هذه الفرية المسجلة في كتابهم المحرف بقوله:
( و ما كفر سليمان ) ثم بين أن الكفار الحقيقيين هم من تآمر ضده و سماهم الشياطين فقال : ( و لكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر )
و كلمة ( يعلّم ) كما أنها تأتي من التعليم فهي تأتي كذلك من اﻹعلام و قد جاء في كلام العرب تعلّم بمعنى إعلم ، وكما نتداوله في وقتنا الحاضر تقول لصاحبك : علّمني عن كذا أي أخبرني.
أما كلمة السحر فقد جاءت في كلام العرب بمعنى التمويه و التخاييل ، و الصرف يقال ما سحرك عن كذا ، أي ما صرفك عنه و تأتي بمعنى اﻹستمالة وكل من استمالك فقد سحرك وتأتي بمعنى الخديعة وسحره بمعنى خدعه . قال ابن مسعود رضي الله عنه : كنا نسمي السحر في الجاهلية العضه . والعضه عند العرب : شدة البهت وتمويه الكذب. ( هذا منقول بتصرف من تفسير القرطبي ) .
و على هذا فجملة ( يعلّمون الناس السحر ) تعني : أنهم يخبرون الناس بالكذب و البهت وتزييف الحقائق عن نبي الله سليمان عليه السلام ويصرفونهم عنه ويستميلونهم للقيام بالثورات ضده.
وكذلك فقد اتبعوا ما وقع من الملكين بكسر اللام (هاروت و ماروت ) كما في قراءة ابن عباس اللذين كانا يدبران المؤامرات ضد ملك بابل بالعراق ﻹنقاذ اليهود من اﻷسر وإعادتهم إلى اﻷرض المقدسة ، ومع أن الفعل واحد وهو التآمر ضد الحكم القائم إﻻ أنه  عند ذكر نبيه سليمان استعمل كلمة الشياطين والسحر وعند ذكر الملكين استعمل كلمة أنزل لبيان أنهما بخلاف الشياطين فقد كانا ملِكين صالحين و هدفهما إنقاذ شعبهما من اﻷسر بأمر الله تعالى وقد كانا ﻻ يعلّمان أحدا أي يخبرانه بأمرهما و يطلبان منه مساعدتهما حتى يقوﻻ إنما نحن فتنة فلا تكفر بإظهار أمرنا ﻷعدائنا . ثم تعود اﻵية إلى يهود المدينة فتقول : ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) أي أن هؤﻻء اليهود يستقون و يستفيدون من طريقة الشياطين ومن طريقة الملِكين وينسجون على منوالهما الخطط و المؤامرات والكذب والبهت والخديعة في سبيل إبعاد الناس عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وصرفهم عن دينه ما يمكن أن يفرق بين المرء وزوجه من شدته . كما قال تعالى عن سحرة فرعون : ( و جاؤوا بسحر عظيم ) وقد حفلت السيرة النبوية بذكر مؤامراتهم ومكائدهم ضد المسلمين ونبيهم عليه الصلاة والسلام، فقد حاول بنوا النضير قتله ودست له امرأة السم بخيبر فنجاه الله منهم هذا وﻻ ننسى ما كان يفعله زعيمهم كعب بن اﻷشرف وأعوانه من تأليب قريش وغيرها من القبائل على المسلمين والتشبيب بنسائهم في أشعاره و نسبة السوء و الفحش إليهن وهو ما يكون سبب للتفريق بين المرء وزوجه خاصة مع شدة الغيرة التي يتصف بها العرب .
لكن الله يطمئن عباده بأن هذه اﻷفعال والمكائد مع شناعتها لن تضر أحدا إﻻ بإذن الله إذا انساق معها و صدقها .
أخي الكريم .
ﻻ يوجد في اﻵية الكريمة دليل على حقيقة السحر المتعارف عليه عند الناس الذي يقلب اﻹنسان حيوانا و الحيوان إنسانا ويربط الرجل عن زوجته ويعطف الحبيب على محبه بالنفث في الخيوط والشعر واﻷظافر ، وإنما المعنى هو الكذب التمويه والبهت والخديعة وتزييف الحقائق فإن قالوا سورة الفلق فيها دليل آخر على ذلك فستجد الجواب في تفسير المعوّذتين إن شاء الله .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق